ينحصر الاجتياح العسكري التركي الأخير للأراضي العراقية، بحقيقتين أساسيتين، يمكن أن تشكلا مع بعضهما البعض نقطة ارتكاز لأية قراءة تحليلية لما يجري على الأرض، من حيث الخلفيات والدوافع والأهداف.

الحقيقة الأولى، هي أن هذا الاجتياح يبدو وكأنه هروب إلى الأمام، وتعبير عن ضعف وارتباك لدى صناع القرار السياسي التركي، أكثر مما هو خطوة تعكس قوة وتماسك مواقف أنقرة في ظل بحر متلاطم الأمواج من المشاكل والأزمات التي تعيشها المنطقة، لأسباب وظروف مختلفة، لسنا هنا في وارد الخوض بتفاصيلها. والتي راحت تتمدد بسرعة ووضوح إلى أوروبا، وتقلق وترعب أمريكا.

والحقيقة الثانية، هي أن دخول ثلاثة أفواج مدرعة من الجيش التركي إلى الأراضي العراقية، لا يعد الأول من نوعه؛ فتركيا اجتاحت الأراضي العراقية عشرات أو مئات المرات خلال الأعوام الاثني عشر الماضية، تحت حجج وذرائع عديدة، أولها وأبرزها مطاردة متمردي حزب العمال الكردستاني التركي ((P.k.k، الذي يتخذ من جبال قنديل قاعدة له، فضلا عن امتلاكه مقرات وقواعد غير قليلة في مدن ومناطق مختلفة من الإقليم، وآخرها تمركزه في قضاء سنجار بعد تحريره من تنظيم داعش الإرهابي.

وعند التوقف قليلا عند الحقيقة الأولى، لابد من الإشارة إلى أنه لم تبرز أية متغيرات ومستجدات على قدر من الأهمية والخطورة، يمكن أن تبرر لأنقرة الدفع بتشكيلات من جيوشها إلى عمق الأراضي العراقية. وهذه بلا شك نقطة مفصلية من الصعب بمكان تجاوزها أو القفز عليها لمن يبحث عن جوهر الدوافع والأهداف.

ولعل المتغير الأهم والأبرز الذي واجه أنقرة، هو ما أفرزه حادث إسقاط سلاح الجو التركي لمقاتلة روسية من طراز سوخوي- 24، قبل أسبوعين فوق الحدود السورية-التركية، بدعوى أنها دخلت الأجواء التركية، وتم توجيه عدة تحذيرات ولم يستجب قائدها.

فحادث إسقاط الطائرة الروسية بدلا من أن يعزز وضع تركيا، تسبب في ضغط كبير جدا عليها من قبل موسكو، تمثل في جانب منه بزيادة زخم الحملات العسكرية على مواقع المعارضة السورية المدعومة من تركيا، وفرض حظر على دخول البضائع والسلع التركية إلى روسيا، والتوقف عن تصدير الغاز الروسي لها – أي لتركيا – وفرض قيود وضوابط مشددة على دخول المواطنين الأتراك لروسيا، إلى جانب رفض الرئيس فلاديمير بوتين الرد على اتصالات نظيره التركي رجب طيب أردوغان، ناهيك عن رفض اللقاء به على هامش قمة مؤتمر المناخ الذي عقد في العاصمة الفرنسية باريس أواخر شهر تشرين الثاني-نوفمبر الماضي.

وبينما صرح أردوغان قبل عدة أيام بأن خسارة بلاده لمليار دولار من روسيا لن يؤدي إلى سقوطها، أكدت مصادر وأوساط اقتصادية دولية أن تركيا تكبدت حتى الآن خسائر تقدر بتسعة مليارات دولار بسبب الإجراءات العقابية التي اتخذتها روسيا ضدها في أعقاب حادث إسقاط طائرة السوخوي-24 الروسية.

ومن زاوية أخرى ينبغي أن نشير إلى أن حزب العدالة والتنمية الحاكم، رغم نجاحه في الحصول على أغلبية مريحة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، إلا أن زعيمه أردوغان بقي مقيدًا ومحاصرًا من جهات شتى؛ فهذا حزب العمال عاد لينشط بزخم أكبر من ذي قبل، وذاك الاتحاد الأوروبي يرفض مجددًا انضمام تركيا إليه، وهؤلاء خصومه ومنافسوه يرفضون رفضًا قاطعًا تحويل نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي، وذاك تنظيم داعش الذي وجد في حكام أنقرة لقمة سائغة يبتزهم متى شاء ليضعهم باستمرار بين المطرقة والسندان.

وطبيعي أنه ليس من المستغرب ولا المستبعد أن يبحث الأتراك عن مهرب من الضغوطات التي يواجهونها، وهذا منهج ربما تكون قد سارت عليه السياسة التركية في مختلف مراحلها ومحطاتها. وأفضل طريق واتجاه بالنسبة لأنقرة، يعد العراق من بوابته الشمالية الرخوة، والتي اعتاد الدخول والخروج منها كثيرًا دون عناء ولا وجل ولا خوف.

ومن تلك النقطة، يمكن أن نتوقف أيضًا عند الحقيقة الثانية.

وفي هذا الشأن صرح أكثر من مسؤول تركي رفيع المستوى، ومن بينهم رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو، تعقيبًا على ردود الأفعال العراقية الرافضة لاجتياح القوات التركية للأراضي العراقية، أن هناك توافقات وتفاهمات مع الحكومة العراقية، وهذا ما نفاه جملة وتفصيلا رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، وتحدى الأتراك إبراز أي دليل يثبت ذلك، وأن قوات تركية متواجدة قرب الموصل منذ أكثر من عام، بعلم الحكومة العراقية الاتحادية، وطلب حكومة إقليم كردستان، وأن تركيا تريد المساعدة والمساهمة في تحرير نينوى (الموصل) من تنظيم داعش الإرهابي.

وعند التدقيق والتمحيص، يتضح أن الوجود التركي في إقليم كردستان غير قليل ولا شكلي. فمنذ عام 1993، أي بعد عامين من خروج الإقليم عن السلطة المركزية في بغداد بعد حرب الخليج الثانية والانتفاضة الشعبية، أنشئت خمس قواعد عسكرية تركية في الشمال بحسب ما يشير السياسي الكردي المقيم في لندن كاوه بيساراني.

وأكثر من ذلك، فإن حكومة الإقليم لا تنكر ذلك، فالناطق الرسمي باسمها سفين دزئي يقول “إن تركيا أقامت قواعد في كردستان ونينوى في إطار التحالف الدولي ضد الإرهاب”. مضيفًا أنه “في إطار التحالف الدولي ضد إرهابيي داعش، أقامت تركيا أواخر العام الماضي قاعدتين لتدريب وتأهيل قوات البيشمركة في سوران وقلاجولان، وفي الوقت نفسه قامت بفتح قاعدة أخرى لتدريب القوات العراقية في محافظة نينوى”.

أضف إلى ذلك أن صحيفة حريت التركية كشفت مؤخرًا “إن اتفاقا أبرم مطلع الشهر الماضي بين رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني، ووزير خارجية تركيا الذي قام بزيارة إلى أربيل، على إنشاء قواعد للقوات التركية في منطقة بعشيقة في الموصل تضم 600 جندي.

وأنقرة اليوم لا تقول لم نجتح الأراضي العراقية عسكريًّا، ولا تتعهد بالانسحاب، وإنما تنفي على لسان رئيس الوزراء داود أوغلو، أن تكون قد وسعت عملياتها العسكرية في شمال العراق بعد أن نشرت جنودًا بالقرب من منطقة يسيطر عليها تنظيم داعش، وإن معسكر بعشيقة على بعد ثلاثين كيلومترًا شمال شرق الموصل، هو معسكر تدريبي أقيم لدعم قوات المتطوعين المحلية التي تقاتل الإرهاب!

والأخطر من كل ذلك ما تنقله مصادر خاصة عربية وكردية من الموصل عن حجم التواجد العسكري التركي، لا سيما في معسكر “زيلكان” في أطراف قضاء بعشيقة.

فالمعسكر المذكور تم إنشاؤه في شهر حزيران- يونيو الماضي، بإشراف وتمويل تركي بالكامل، وأوكلت مسؤولية إدارته لمحافظ نينوى السابق أثيل النجيفي.

ويضم المعسكر مدرجًا خاصًّا لهبوط الطائرات، وبعد ثلاثة أسابيع من إنشائه استقر فيه أربعمائة جندي تركي، بينهم خمسة وعشرون ضابطًا، وخمس وعشرون ناقلة مدرعة، وثماني دبابات، ومائة وخمسون عجلة دفع رباعي، وستون ناقلة مدرعة (همر).

وتضيف المصادر الخاصة أن لتركيا معسكرات وقواعد عسكرية عديدة في المناطق الخاضعة لهيمنة ونفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني، وتحديدًا أربيل ودهوك، إلى جانب المحطات والمراكز الاستخباراتية التي يتمحور عملها بالتعاون والتنسيق مع عدة أطراف، بعضها كردية، وبعضها تركمانية، وبعضها عربية، إلى جانب تهيئة الظروف المناسبة للحصول على النفط المهرب من قبل تنظيم داعش بأسعار زهيدة جدًّا.

وهنا فإن المساومات والتخادمات هي التي تصيغ واقع العلاقات، وتحدد المسارات، فالحزب الديمقراطي الكردستاني يتعاون مع الأتراك مقابل دعمه ومساندته في صراعه مع خصومه السياسيين (الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغيير والجماعة الإسلامية)، والجبهة التركمانية تؤيد كل الخطوات والمواقف التركية في مقابل حصولها على الدعم السياسي والمالي والإعلامي والمعنوي، وذاتها حكومة أنقرة، لا تستخدم قواتها التي دفعت بها إلى الأراضي العراقية لقتال داعش، لأنها تحصل على النفط من الأخير بأسعار زهيدة، ناهيك عن أسباب أخرى، وهكذا.

والمتضرر الأساسي من لعبة المساومات والتخادمات هو الشعب العراقي، ومنع ذلك الضرر أو الحد منه على أقل تقدير يتطلب مواقف حازمة وحاسمة، موحدة ومتجانسة، مدروسة ومحكمة، وإذا كان الخيار العسكري لا يجدي نفعًا، لا سيما وأن العراق غير قادر على فتح جبهات صراع عسكري، فإنه لابد من تحريك وتفعيل الخيارات الاقتصادية والسياسية والإعلامية والدبلوماسية تجاه تركيا، واستثمار عوامل الشد والضغط الإقليمي والدولي ضدها، وبغير ذلك فإن الجيوش التركية إذا تمركزت اليوم في أطراف الموصل، فغدًا ربما ترابط على حدود كركوك!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد