لكسر عزلة «حماس» السياسية، وللمحافظة على علاقاتها المتوازنة مع الجميع وفق إستراتيجية الانفتاح على جميع الدول، والتي أعلنت عنها في ميثاقها الجديد 2017، واستقطاب الدعم السياسي للقضية الفلسطينية، وللخروج من طنجرة الضغط المحشورة فيها، حطت رحال إسماعيل هنية، في تركيا كمحطة أولى بعد القاهرة، في إطار جولته الخارجية، والأولى منذ توليه رئاسة المكتب السياسي خلفًا للدكتور خالد مشعل عام 2017.

جولة رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» هنية، التي تشمل تركيا، وقطر، وماليزيا، وروسيا، قد تطول نسبيًا وقد تمتد إلى عدة أشهر وقد تشمل اجتماعًا مهمًا لقيادة المكتب السياسي لحركة «حماس» في الخارج، من أجل اتخاذ خطوات متعلقة بقضايا كبيرة، مثل صفقة تبادل الأسرى، والمشاركة بالانتخابات الفلسطينية.

بالرغم من أن هذه الجولة قد تأخرت عدة مرات بضغوط دولية على القاهرة، إذ ناب عنه في جولات سابقة نائبه صالح العاروري.

«حماس» التي ترجو هذه المرة بالضرورة المصيرية، أن تنجو بنفسها من الشتات السياسي الذي تعيشه، وإنقاذ قطاع غزة من أهوال الفقر والضياع، والحفاظ في الوقت ذاته على ثوابتها أمام ما تتعرض له القضية الفلسطينية من محاولات التهويد، وترسيخ أيدلوجيتها في التعامل مع الأنظمة العربية، القائمة على الانفتاح والاحترام وعدم التدخل بالشؤون الداخلية لأية دولة.

هذا التشتت كان جليا في موقفها تجاه الثورة السورية، حيث تدرجت مواقف «حماس» من مؤيد للثورة، إلى منتقد لها، فمناصر لأحد أعدائها «حزب الله» واحتفاظها بعلاقاتها المتينة معه ضمن وجوده في إطار ما يسمى «محور المقاومة» إلى جانب إيران.

غضب تركي

هذا النهج والتقارب مع إيران وسوريا خاصة كان سببًا في الغضب التركي، فعكس الزيارات السابقة لحركة «حماس»، كان لقاء إسماعيل هنية مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في مكتب الرئاسة بقصر دولمة بهتشة، الذي يقع في منطقة بشكتاش على امتداد ساحل مضيق البوسفور في القسم الأوروبي من مدينة إسطنبول.

اقتصر لقاء هنية مع الرئيس أردوغان، على مناقشة ملفات لم تعلن الحركة عن تفاصيلها، كما لم يتضمن اللقاء تصريحًا صحافيًا من قبل هنية وأردوغان، أو حتى من قبل الإعلام التركي، الذي لم يعر الزيارة أي اهتمام أو تعليق. مما يدعو إلى الشك حول حقيقة الحديث عن فتور العلاقات بعدما شهدت السنوات الماضية أزهى عصورها.

يقال في خصوص ذلك إعلاميًا وعلى ألسنة مصادر مطلعة بالحركة: إن تقارير قدمتها السلطة الفلسطينية، للرئاسة التركية، بهدف التحريض على حركة «حماس»، وأخرى استخباراتية (أمريكية إسرائيلية)، تتهم الحركة، بإدارة مخططات «هجومية» على الأراضي التركية.

وذكرت مصادر في «حماس» لـ«إندبندنت عربية»، أن خلاف نشب أخيرًا بين القيادة التركية وبين حركة «حماس» التي تتخذ في السنوات الأخيرة من تركيا ملاذًا لها بعد تركها سورية، وتراجع علاقتها مع قطر.

وعلى إثر ذلك طلبت القيادة التركية توضيحا من «حماس» حول إدارة عدد من العمليات ضد الاحتلال والسلطة الفلسطينية من أراضيها، الأمر الذي جرى التفاهم عليه عندما سمح لهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالقدوم إلى تركيا حيث اشترط وبشكل ما تفاهمات مع القيادة بعدم القيام بعمليات عسكرية أو التخطيط لها أو إدارتها من الأراضي التركية، في إطار اتفاق مع الولايات المتحدة وإسرائيل بهذا الشأن.

وتعهدت إسرائيل عدم استهداف أي قيادي حمساوي على الأراضي التركية، بالرغم من أن ««حماس»» أكدت في رسائل وتصريحات عدة للقيادة التركية «أنها تحترم التفاهمات»، دون الإشارة إلى ما هي هذه التفاهمات.

وسبق أن صرح وزير الخارجية الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، في حوار مطول مع صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، في الخامس من الشهر الجاري، بأن إسرائيل أمدت الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بمعلومات استخبارية حول عمليات أراد «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» تنفيذها في تركيا، لكنه لم يتحدث عن حركة «حماس».

ولكن إذا كانت هذه الافتراضات صحيحة، يمكن القول إن حركة «حماس»، فقدت مساند عظيم في ظروفها «المعقدة» وأزماتها المتوالية، ولابد أنها ستعمل خلال جولاتها جاهدة على تجديد العلاقة وتقويتها، أو إحلال بديل بقوى موازية لتركيا، فالسياسة هي فن مداورة الواقع وعمل المستحيل على تحاشي الفشل.

وفي بحثنا عن رؤية تحليلية لموضوعنا، الأستاذ ثابت العمور، المحلل السياسي الفلسطيني والمتابع للشأن، كان لديه رأي في هذا السياق، يقول: «هناك تراجع ملحوظ في العلاقة بين تركيا و«حماس» لم تعد العلاقات كما كانت خاصة بعدما أعادت تركيا علاقتها باسرائيل، والملاحظ أن تركيا باتت تتوازن في علاقاتها بين «فتح» و«حماس».

ويعود المحلل للوراء قليلًا، إلى زيارة وفد برلماني فلسطيني من حركة فتح لتركيا، مطلع العام 2018، والذي كان في استقباله الرئيس التركي رجب أردوغان، وكانت قد وجهت للوفد دعوة رسمية من جمعية الصداقة التركية الفلسطينية، وألقى رئيس الوفد الفلسطيني محمد اللحام كلمة أمام الرئيس التركي ثمن فيها الموقف التركي من القضية الفلسطينية، ونقل الوفد الفلسطيني تحيات الرئيس الفلسطيني محمود عباس للرئيس التركي.

ويتابع العمور في حديثه معي: «في نهاية العام كان هناك وفد كبير من حركة «حماس» يزور تركيا وتحديدًا في نهاية ديسمبر (كانون الأول)، لكنه لم يلتق بأردوغان، هذه ملاحظة مهمة جدًا. أما زيارة هنية ولقاؤه بأردوغان، فكان لقاء عاديًا جدًا، بل ربما كان اللقاء في قطر أكثر دفئًا، بل إن هنية انتظر أكثر من يوم لأجل عقد اللقاء». فالعلاقات بين «حماس» وتركيا ليست سيئة، ربما جيدة، لكنها ليست ممتازة كما كان الحال.

«على الأرض، فإن كنا شهودًا، لابد عن القول إن الدعم التركي لغزة عمومًا و«حماس» تحديدًا تراجع، واكتفت تركيا فقط بتوفير أماكن إقامة لبعض قيادات «حماس». أمر أخير، كنت أتذكر أن تركيا وعدت منذ أكثر من خمس سنوات بإرسال محطة توليد كهرباء عائمة لغزة، لكنها إلى الآن لم تصل ولم يعد أحد يتحدث عنها، وأقل مؤشر لعلاقات متينة وقوية، هو أن تصل المحطة مثلًا».

ويخلص القول: إن «تركيا لم تنسحب لتترك «حماس» وحيدة، لكن قطر حلت محل الدعم التركي الذي كان يقدم لحركة «حماس»، تركيا دولة إقليمية كبيرة ولها محدداتها ومصالحها وحساباتها، تدعم «حماس» في حدود أن لا يتأُثر دورها الإقليمي بهذا الدعم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد