نجاح أردوغان في تغيير نظام الحكم في تركيا من برلماني إلى رئاسي، يعني أنّ تركيا بدأت تستعيدَ سيادتها بوصفها دولة مستقلة ذات سيادة، هذه السيادة التي تم الانتقاصُ منها منذ ظهور الدولة التركية الحديثة، دولة كلّفت الأتراك القبول بالعلمنة أو العلمانية السلبيىة، وكذلك نزع الشعب التركي من محيطه الإسلامي، وإلغاء عاصمته بعد أن كانت اسطنبول عاصمة الخلافة أربعة قرون، وإحدى عواصم القرار الدولي.

تغيير لم يكن ليغير في واقع تركيا فقط، بل سينعكس على المحيط العربي والإسلامي وجوار تركيا والعمق الأوروبي، وسيترك في كل جزء منه صورةً نمطية تعززها أحداث تاريخية مضت!

لم يكن إنهاء الدولة العثمانية سهلًا، بل استوجب استدعاء أعداء الخارج والاستعانة بأعداء الداخل، حتى سهّل والي مصر المهمة؛ حيث صنعَ دولةً داخل الدولة، دولة توّلت فرنسا بناءها على نمط الدولة الحديثة، دولة ستنمو وتكبر على حساب الدولة الأم، ومن ثم ستكون عامل هدم لها، ولكنْ ممنوع على الوالي أن يكون البديل أو الخليفة، وعلى السلطان العثماني أن يلجأ إلى أعدائه التقليديين بوصفهم حلفاء الوالي المتمرد، ليبدأ مسلسل السقوط الحقيقي منذ 1830 حيث أُوقف محمد علي أو أُوقفت طموحاته لتتمدد معها طموحات الغرب داخل كيان الدولة العثمانية، فلم تعد تكتفي بالامتيازات وحماية الأقليات، بل تخطّت ذلك لتصل لتغيير قوانين الدولة نفسها ويظهر خط همايون وكلخانة، ومضت السنون ليصبح التغريب واقعًا داخل الدولة، حتى كان النزاع في فرض الدستور أو المشروطية زمن عبد الحميد الثاني، وما رافق تلك المرحلة من حروب كان أقساها دائمًا مع عدو تقليدي شرس توسع على حساب ممتلكات الدولة العثمانية، روسيا!

أنهت الحرب العالمية الأولى عمليًا الدولة العثمانية، فلم تكن الهزائم العسكرية سببًا لسقوطها، بقدر ما تداعى عليها الأعداء من كل حدب وصوب، وبات عليها أن تخوض حرب استقلال في بقعة جغرافية ستكون فيما بعد أرضًا للجمهورية التركية التي رأت النور فعليًا 1923، ومن ثمّ تخلت عن ممتلكاتها في آسيا وأفريقيا وأوروبا قبل أن تتخلى عن الخلافة نفسها، وتنأى بنفسها عن العالم الإسلامي، بل زادت عليه بأن صنعت قطيعة معه وقدّمت التغرب وسيلةً نحو التطور الذي يضارع التطور الغربي!

قطيعة فرضها المنتصرون، ولم يختارها الأتراك، لكنها كانت كلمة السرّ في تقزيم تركيا، ولهذا حافظ الغرب عليها، فالأتراك مسلمون، ولكن الإسلام ليس نظام حياة أو جزءًا من الدولة التركية، فلم تكن الدولة التركية تطبق مبدأ الحياد من الدين، بل كانت على عداء معه، حتى كان التغيير الأول في زمن عدنان مندريس، والذي انتهى به المطاف بانقلاب عسكري دموي أنهى حياة مندريس، لكنه أحياه في قلوب الأتراك، لتبدأ مرحلة جديدة في استعادة الهوية الإسلامية على يد نجم الدين أربكان. أربعة أحزاب سياسية أسسها أربكان أسست لقاعدة عريضة من الأتراك تؤمن بأفكاره، حتى أفاد تلامذته من التجربة وأسباب وأدها في كل مرّة، وأجروا مراجعات شاملة تمخّضت عن ولادة حزب العدالة والتنمية، حزب خاض التجربة الانتخابية في انتخابات 2002، ونجح بها ليقود التغيير الهادئ في تركيا تغييرًا اتبع فقه الأولويات والتدرج والواقع، وفي غضون سنوات قليلة بدأ المارد التركي بالخروج من القمقم، فتوالت النجاحات الاقتصادية والاجتماعية دون المساس ببنية الدولة التركية أو نظامها القائم.

لم تكن الانقلابات العسكرية لتغيب عن ذهن قادة العدالة والتنمية، ولهذا كان الاتجاه نحو الإنسان التركي فبناء الإنسان بوصفه البنية الفوقية في بناء الدول، فكلما حاز الإنسان التركي على احتياجاته الأساسية، فضلًا عن التعليم والصحة والضمان الاجتماعي سيكون أكثر تمسكًا بالحكم القائم، وسيعيد انتخابه مرّة أخرى، وهذا ما فعله حزب العدالة والتنمية وانعكس إيجابًا على المواطن.

شكّل النموذج التركي إلهامًا للشعوب العربية، فتغنّت بنجاحات حزب العدالة والتنمية، وسرّعت هذه النجاحات في اندلاع الثورات العربية، فكلّ ثورة قامت كانت تحمل في ضميرها نقل التجربة التركية، أمر يبدو في ظاهره ممكن الحدوث، ولكن في باطنه يشكل تهديدًا حقيقيًا للغرب، فتركيا التي بدأت تتفلت من قيود لوزان والدولة الوظيفية في حلف شمال الأطلسي أخذت تستعيد دورها التاريخي في قيادة الأمة، ولهذا كان لابدّ من كسر الربيع العربي فضلًا عن تشويه الأحزاب الإسلامية، أو ما بات يُعرف بالإسلام السياسي، وصولًا لضرب التجربة التركية ذاتها، وكل الأحداث التي مرّت بها تركيا، سواء بأحداث تقسيم 2013 أو المحاولة الانقلابية الفاشلة 2016، فضلًا عن إحاطة تركيا جنوبًا بعصابة البككا تحت مسمى سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكيا وصهيونيًا، وممولة عربيًا تصبّ في هذا المنحى.

وبعد فشل الانقلاب وحرب الليرة وجرّ تركيا إلى نزاع داخلي وخارجي مع البككا وتنظيم داعش في إسقاط حزب العدالة فضلًا عن نجاح أردوغان في تغيير النظام من برلماني إلى رئاسي، ونجاحه في الانتخابات المبكرة كلها مؤشرات واضحة إلى أن تركيا بدأت تأخذ دورها في أن تكون دولة كبرى في العالم، وليس في محيطها فقط، وهذا ربما يعجل بالورقة الأخيرة وهي الحرب العسكرية، هذه الحرب التي ستخوضها أمريكا عبر وكلاء، وليس بجيوشها، وسيكون الوكيل المرشح لذلك حلفًا متنوعًا يضم إيران وحلفها الطائفي، وبقايا جيش النظام السوري وروسيا، والغاية تقسيم تركيا، وليس فقط إنهاء التجربة، ولعل حقيقية اللقاء الذي جمع بوتين ترامب كان يدور حول سيناريو إنهاء الصعود التركي!

سيناريو قد يبدو مستبعدًا بسبب الاتفاقات بين إيران وتركيا، وكذلك التعاون الروسي التركي بعد أن كاد الصدام العسكري يقع بين البلدين بعد إسقاط الطائرة الروسية في نهاية 2015، فضلًا عن كون تركيا عضوًا في حلف شمال الأطلسي، لكنّ الحقيقة التي نحاول الابتعاد عنها أن الصراع الحقيقي تقوده أمريكا، ولكن عبر حرب بالوكالة كما ذكرنا، وربما يكون منطلقها الأرض السورية، حيث تقدم النظام إلى إدلب بدعم روسي إيراني يعني بكل وضوح أن تركيا أصبحت محاطة فعليًا بحلف متنوع، فإنّ لم تبادر تركيا لدعم الثوّار السوريين ومنع ذلك التقدم، فقد تجد نفسها في حرب مفروضة الغاية منها إنهاء الدولة التي يؤمّل أن تكون قائدة للعالم الإسلامي، وهذا يصبّ في مصلحة إيران، وكذلك وضع إسطنبول تحت إدارة دولية مع إعادة آية صوفيا كمركز ديني أرثودكسي تحت إدارة الروس، فضلًا عن إعادة إحياء الكيانين الكردي والأرمني، كما كانت تنصّ على ذلك معاهدة سيفر التي حطّمها الكماليون واستبدلوا بها لوزان 1923!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك