هل تستطيع تركيا السيطرة على الملف الليبي؟

لم يكن ليتضح بعد؛ ما إذا كان انتصار القوات الموالية للمشير الليبي خليفة حفتر، في سرت نتيجة قوته العسكرية في مواجهة خصم بدا وأنه سيتهاوى قريبًا في طرابلس (القوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني)، رغم الدعم المتصاعد سياسيًا وعسكريًا الذي قدمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى حكومة الوفاق، حتى جاء إعلان القبول على دخول الهدنة في طرابلس (يوم الأحد 12 يناير الجاري) بين الطرفين المحليين المتنازعين، إثر دعوة أعلنها كل من أردوغان ونظيره الروسي بوتين (يوم الأربعاء 8 يناير).

ولا يبدو أن الهدنة المعلنة بين قوات حفتر والسراج (رئيس حكومة الوفاق) قد يكتب لها الاستمرارية، بخاصة وأن كل من روسيا وتركيا (الطرفين الداعيين للهدنة) لا يمكن أن يتسيدون المشهد الليبي دون ترك حيز نفوذ لباقي القوى الطامعة في أخذ نصيبها من الحصة في هذا الملف، فبالإضافة إلى الولايات المتحدة التي وإن كانت تُظهر ابتعادها عن الملف بشكل مباشر، إلا أن حضورها عبر الوكلاء الإقليميين سيزداد تأثيره مع بروز التدخل التركي في الآونة الأخيرة، الذي بتقديري سيعرقل من مهمة أي مؤتمر دولي مقبل حول ليبيا، وهو الذي أعلنت عن إقامته برلين (يحاول الطرف الأوروبي التفاهم مع سياسة أردوغان في المنطقة، بخلاف باريس تمامًا) في التاسع عشر من يناير (كانون الثاني) الجاري، بحسب ما أفاد به المتحدث باسم الحكومة الألمانية، شتيفن زايبرت.

عندما طلبت حكومة «الوفاق»، من تركيا بشكل رسمي دعمًا عسكريًا، خلال الشهر الفائت، فقد كان لذلك الطلب عواقبه بالتأكيد، إذ يدرك الحلفاء الليبيين للحزب الحاكم في تركيا أن تدخل أنقرة لا يخرج بأي شكل من الأشكال عن محاولة منها لتلافي الأزمات الداخلية وتصديرها إلى الخارج، ومحاولة فرض نموذج هيمنة على المنطقة بمقابل تحد مباشر للقوى المناوئة لحكم الرئيس أردوغان، ويبرز في هذا الجانب بشكل رئيسي كل من مصر والإمارات.

بالإضافة إلى ذلك فإن التدهور المتلاحق لقوات «الوفاق» دفعها للاستنجاد بتركيا واستغلال إمداداتها العسكرية من جنود تدعمهم أنقرة عابرين للحدود، وكذلك استغلال النفوذ السياسي الذي يسعى أردوغان لتوظيفه في المشهد الليبي من خلال القناة الروسية.

بات اللعب في الملف الليبي فوق الطاولة، واقترب جميع الفاعلين من كشف أوراقهم، مقابل مسارعتهم إلى تحقيق مصالحهم هناك، لذا فقد بدأت جولة جديدة من التحضير لإنعاش المسار السياسي قبل العودة لاحقًا إلى التصادم العسكري، إن لم يضغط المجتمع الدولي بشكل جدي لوقف المهزلة التي اختلقتها دول غربية في تأجيج الصراع على ليبيا قرابة 10 أعوام.

ورغم أن الزخم الدبلوماسي يبدو متسارعًا لمساعي فرض تسوية في ليبيا، إلا أن محاولة فرض نفوذ جديد، والذي قد تحاول تركيا إلى تكريسه، فإن ذلك من شأنه تأجيج الصراع، وذلك في ظل مطامح جهات أخرى أوروبية تسعى لخلط الأوراق من جديد سواء من أجل فرض السيطرة، أو حتى من أجل مجابهة أطراف هي على خصومة معها.

ورغم كل هذه التشابكات فإن مسألة حظر توريد الأسلحة إلى ليبيا تبقى أهم السبل الكفيلة بوقف التصعيد المتبادل بين الأطراف الليبية وداعميها.

لقد برزت تركيا خلال السنوات القليلة الماضية باعتبارها فاعلًا رئيسيًا في الملف السوري، مقابل عدم تواجد كبير لها في منطقة شمال أفريقيا، ولعل ذلك ما يفسر رغبة الرئيس التركي بإيجاد موطئ قدم لنظامه السياسي في المنطقة عبر بوابة ليبيا.

ولا يخفى على المتابعين سعي أردوغان أيضًا لإدخال بلاده ضمن «مجموعة الكبار» العالمية – وإن لم يستطع ذلك حتى الآن – مستغلًا الأزمات التي تعيشها دول عدة في المنطقة يأتي في مقدمتها سوريا وليبيا.

وفي جانب آخر تتمثل رغبة أردوغان في الاستحواذ في مثل هذا الوقت على ورقة الاستثمارات في البنى التحتية، وذلك لضمان التواجد في مرحلة إعادة إعمار ليبيا، ودونًا عن الفائدة الاقتصادية الهائلة؛ فإن هذا الجانب وما ستجنيه تركيا من خلاله سيكون دعامة رئيسية في زيادة رصيد حزب العدالة والتنمية مقابل الأحزاب المناوئة له، كان أحدثها ويبدو أنه سيكون أشرسها حزب المستقبل الذي أعلن عن تأسيسه رئيس الوزراء التركي السابق أحمد داوود أوغلو، مطلع شهر يناير الماضي.

ولا يقل العامل الاقتصادي أهمية عن العامل السياسي بالنسبة إلى ليبيا، ولو أنه أيضًا وعلى الجانب السياسي فإننا قد لا نستبعد نظرية استحضار ولاية السلطنة العثمانية من قبل الرئيس التركي الحالي في تعامل حكومته مع الدول ذات الأغلبية المسلمة، وقد يكون الدور التركي في كل من سوريا وليبيا أحد الأمثلة عن ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد