منذ 1993 ومصطلح صدام الحضارات يسيّل لعاب الباحثين والمحللين والساسة في العالم بعد أن هيمنت لفترة قبل ذلك فكرة نهاية التاريخ والإنسان الأخير لفرانسيس فوكوياما، لكن منذ أن وضع هنتغتون كتابه Clash of Civilization أو صدام الحضارات ردًا على تلميذه فوكوياما، هيمنت أطروحة هنتنغتون على السياسة الأمريكية ومثلت منعرجًا كبيرًا في التاريخ حيث وضع في هذا الكتاب رؤية للصراعات المستقبلية في العالم، فبعد أن هيمن على العالم طيلة 53 سنة صراع أيديولوجي بين المعسكر الشرقي الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفييتي والمعسكر الغربي الرأس مالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية فيما سمي بالحرب الباردة فإن الصراع القادم هو صراع حضاري أساسه الثقافة والدين والعرق.

وأن هذا الصراع سيمثل تهديدًا كبيرًا للحضارة الغربية بقيادة أمريكا، وأخطر الحضارات في هذا الصراع حسب هنتغتون هما الحضارة الإسلامية والحضارة الصينية الكونفوشيوسية، في حين امتلاك الأخيرة دولة مركزًا تقود هذه الثقافة فإن الأولى تفتقر لدولة مركز تقودها بما أنها أكثر خطرًا حسب رأيه على الحضارة الغربية بحكم الحضارة الوحيدة التى جعلت بقاء الغرب موضع شك، هنا اقترح هنتغتون الدول المؤهلة لقيادة الحضارة الإسلامية وركز عليها ورشحها بل اعتبرها الوحيدة القادرة على ذلك مع أن الصراع على مركزية العالم الإسلامي في التسعينات كان بين إيران والسعودية وباكستان ولم تدخل تركيا هذا الصراع إلا في السنوات الأخيرة.

فهل تحققت نبوءة صدام الحضارات وكيف هي تركيا اليوم؟

مركز الحضارة الإسلامية

يعتبر هنتغتون أن سقوط الإمبراطورية العثمانية ترك الإسلام دون دولة مركز وهو ما اعتبره العامل الرئيسي للصراعات الداخلية والخارجية للإسلام عبر عنه بوعي دون تماسك، وهو السبب الرئيسي وراء ضعف هذه الحضارة.

يضع شروطًا معينة لدولة المركز وهي أن تكون ذات موارد اقتصادية وقوة عسكرية وأن تلتزم بقيادة سياسية ودينية للأمة ولكن في الوقت الحالي لا يوجد حسب رأيه أي دولة يمكن أن تلعب هذا الدور حتى الست دول الإسلامية الكبرى التي أهلها للعب هذا الدور أقصى خمسة منها وهي كالآتي: إندونيسيا، مصر، باكستان، إيران، السعودية.

هناك عدة عوامل تعيق مركزية هذه الدول، إما تواجدها على أطراف العالم الإسلامي أو اعتمدها اقتصاديًا وأمنيًا على الغرب، أو اختلافها عقائديًا مع الأغلبية السنية في العالم الإسلامي. أما بالنسبة لتركيا التي هي موضوع حديثنا ركز عليها هنتغتون واعتبرها أكثر دولة كفأة لتكون مركزًا، غير أن أتاتورك حرمها من ذلك عندما منع الجمهورية من أن تكون وريثة الإمبراطورية.

 نبوءة صدام الحضارات

تحدثنا عن مركزية الحضارة الإسلامية وأن تركيا هي المرشح الوحيد بالنسبة لهنتغتون للقيادة بالرغم أنه يذكر الصراع القائم بين الثالوث حول قيادة العالم الإسلامي باكستان، إيران، السعودية، خلال فترة التسعينيات وتركيا خارج هذا الصراع، إلا أنه ركز عليها وها هي اليوم أحد أبرز وأكبر أطرافه.

تحدث الفيلسوف والمؤرخ الأمريكي هنتغتون عن العلمانية التركية وأنه لطلاما ظلت تركيا تعرف نفسها بالعلمانية وإن لم تتخلّ عن الموروث الأتاتوركي أو الكمالي كما تخلت روسيا عن لينين فلن تتمكن من أن تكون دولة مركز، وتخوف من أن فوز حزب الرفاه بقيادة نجم الدين أربكان  بالأغلبية في الانتخابات سيجعل تركيا تعيد تعريف نفسها وتكون لها زعامة على الإسلام، مع ضرورة توفر شخصية زعيمة كأتاتورك، وقال إنه يتوقع تخلي تركيا عن العلمانية كما تخلت جنوب أفريقيا عن الاضطهاد وتحولت من دولة منبوذة في محيطها إلى دولة قريبة من مركزية الحضارة الإفريقية حسب تعبيره.

على تركيا إعادة تعريف نفسها والتخلي عن موروث أتاتورك

ها هي تركيا اليوم تسير وفق ما ذكره صعود حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان وريث نجم الدين أربكان الزعيم الإسلامي التركي الذي مهد الطريق لرجوع الأمة التركية إلى الحاضنة الإسلامية، وبروز المطامح التركية في مركزية العالم الإسلامي يبرز من خلال الدور التركي في المنطقة كالتدخل في الأزمة الخليجية ومن خلال تدخلها في الملف السوري، فبعد أن تركت العراق يقسم بين نفوذ أمريكي وإيراني صارت تبحث اليوم عن حصتها في الملف السوري من خلال دعمها المعارضة واحتضانها لها.

تتدخل تركيا في عدة قضايا مثل بورما وإقليم تركستان المحتل أيضًا، وتغير الخطاب الرسمي التركي ذلك من خلال عدة رسائل إما للغرب أو للعالم الإسلامي تذكر بأن تركيا جزء من العالم الإسلامي مع إيحاءات أو تشفير بأنها تعلن نفسها كمركز وعادت للعب دورها التاريخي، هناك مؤشرات أخرى كحصول أردوغان على جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام وزيارته إلى قبر أستاذه نجم الدين أربكان ومحمد الفاتح، الاستفتاء الدستوري، التغيرات المجتمعية في تركيا بعد أن كان المجتمع علمانيًا تُمنع مظاهر التدين فيه، حدث تحول كبير داخله، وأيضًا أصبحت تركيا مقرًا لعديد المعارضين وخاصة القيادات ذات المرجعية الإسلامية كإخوان مصر حتى قنواتهم تبث من تركيا وبدعم منها، كلها مؤشرات على ما تحدث عنه هنتغتون في أن تركيا تعيد تعريف نفسها.

بعد أن تقوم تركيا بتعريف نفسها عليها التخلي عن تسول عضوية نادي الغرب

أي من المهين على دولة تمثل مركزًا حضاريًا أن تبحث عن عضوية من هم في الأصل أعداؤها وعليها أن تلعب دورها الأصلي كزعيم وعدو للغرب. يقصد هنتغتون بنادي الغرب الاتحاد الأوروبي، وقد قالها في الثمانينات رئيس فرنسا أنه غير مرحب بدولة مسلمة في نادٍ مسيحي، تصريحات المسؤولين كعدم قبول أوروبا لها هذا ما قالته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وخيرت فيلدرز عضو البرلمان الهولندي عن حزب اليمين المتطرف من أجل الحرية، أوروبا حاضنة وتقدم مساندة معلنة لجماعات تصنفها تركيا إرهابية «بي كا كا وبي واي دي»  كل هذا يبرز من خلال دخول تركيا في صراعات مع دول مثل ألمانيا وبلجيكا وهولندا، المتابع للصحف الأوروبية وخاصة الألمانية والفرنسية يلاحظ مقدار مهجماتها للرئيس التركي كنعته بالأصولي والسلطان والدكتاتور. أوروبا تريد زعزعة الأمن القومي التركي خلال دعمها للحركات الانفصالية فلا يمكن أن تتواجد دولة قوية اقتصاديًا وعسكريًا مخالفة لأوروبا إثنيًا وثقافيًا في مجموعة متجانسة ثقافيًا وعقائديًا، وهناك عامل العداء التاريخي بين أوروبا وتركيا، بالرغم من قبول تركيا سنوات عديدة لوضع متسول وراضخ للاتحاد الأوروبي إلا أنها اليوم أيقنت أن ثقلها اقتصاديًا وعسكريًا وحتى دورها إقليميًا يجعلها ليست في حاجة لعضوية النادي المسيحي الذي هو بذاته تهيمن عليه أمريكا التي دخلت معها في خلافات كبيرة منذ المحاولة الانقلابية ورفض تسليم جولن، إلى الحادثة القس الأمريكي مؤخرًا أندرو برونسون المعتقل في تركيا، وها هي تتوجه نحو علاقات مع دول شرق آسيا ومع روسيا والصين لإحياء ما يسمى بطريق الحرير، لم يعد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي حلمًا بالنسبة لتركيا فهي أدركت أنها لن تنسجم بل أوروبا صارت في حاجة لها، وهذا ما يجمع العديد من الخبراء عليه، أن تركيا حاليا غير مهتمة بمسألة عضوية الاتحاد الأوروبي.

هذه تركيا التي رآها هنتغتون والذي مثلت أفكاره مدرسة النيوليبراليين وأفكار اليمين المتطرف اليوم في الغرب، وجهت له عديد الانتقادات بسبب هذه الأطروحة صدام الحضارات، أبرزها مقال المفكر الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد بعنوان صدام الجهل، أما بالنسبة لتركيا فيرى البعض أن ما يحدث فيها اليوم هو اقتراح هنتغتون للتحكم في العالم الإسلامي عبر تركيا أي مؤامرة محبوكة أو ما يراه البعض الآخر أن تركيا عادت إلى دورها التاريخي وتمثل الأمل لهم في وجود دولة مركزية تقود الإسلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد