هناك في أعمار الأمم لحظات فارقة، تتكون نتيجة قيادات نادرة كُتب لها أن تَتوافق مهاراتها البشرية مع الظروف الكونية التي يُسيِّرها خالق الكون، متى أراد وكيفما أراد، هذه اللحظات دائمًا ما تكون قصيرة مقارنة بالعمر الكبير لمجموع أعمار الأمم، فالإسكندر الأكبر كان لحظة فارقة في تاريخ مقدونيا، ظلت الحضارات المنبثقة عن الفتوحات الكبيرة ودحر الإمبراطورية الفارسية مِن الأناضول تقتات على هذا الإنجاز الكبير فترة أطول بمئات السنين من عمر اللحظة الفارقة، التي آتت كلها وأصبح فكر الإغريق ذا أثر في الحضارات التي استوطنها الإسكندر الأكبر.

يوليوس قيصر أول إمبراطور روماني كان لحظة فارقة في تاريخ روما الكبير عاشت روما على لحظة يوليوس الفارقة عمرًا مديدًا، وأصبحت سيدة القارة العجوز وما حولها فترة من الزمن سيطرت روما في عهده على بلاد الغال (فرنسا)، وإسبانيا، وسوريا، ومصر، وتربعت على عرش الحضارات عمرًا مديدًا

هؤلاء القادة هم لبنة نهوض الأمم، وحاجزو مقعدًا لها في مسرح التاريخ الكبير فنادرًا ما يثير اهتمام المَخلوفين من جنس البشر تاريخ روما قبل يوليوس قيصر، أو مقدونيا قبل الإسكندر، بل الإثارة والمتعة، وفن تعلم الخبرات يكمن في مرحلة القادة وما بعد مراحلهم.

لا يحكى عن عظمة بابل إلا يصاحبها قائدها العسكري الفذ نبوخذ نصر الثاني، هذا القائد الذي وضع بابل بين مصاف الممالك الكبرى عسكريًا وميدانيًا، فبابل قبل نبوخذ نصر الثاني ليست كبابل في عصره ولا بعد عصره، فحدائق بابل المعلقه وبوابة عشتار، وهزيمة الآشوريين والفراعنة وإنهاء حكم سلالة الملك النبي داود وهدم معبد سليمان عليهما السلام واتساع الإمبراطورية وضمها لأراضي الكنعانيين، والفيقينين، والمصريين، إنجازات نوعية لم تعهد بابل بها من قبل، هذه البطولات لم تكن لولا تناسق الظروف مع العامل بها.

قاد خليفة المسلمين عمر بن الخطاب الدولة الإسلامية من القبلية إلى الأممية، فالدولة الإسلامية قبل القائد السياسي الفذ عمر بن الخطاب ليست كما بعده، فالفتوحات التي تمت خلال فترات الخلفاء المتعاقبين وتوسع الدولة الإسلامية كان على أساس متين من لبنة الدولة التي رسخها عمر بن الخطاب، فما توالى على الدولة الإسلامية من ازدهار وديمومه كان بسبب تناسق اللحظة مع القائد، فالفتوحات العسكرية، والميدانية، والدينية، والحضارية، والنهضوية، لم تصل لها أمة قبل ذلك، إن الفارق الوحيد بين الدولة الإسلامية وأقرانها من الدول الإنسانية هي الديمومة، فهذه الصفة التي لم تتصف بها دولة زحفت واستولت على دولة سابقة، إلا وحلت مكانها دولة لاحقة غيرت لغة وطبيعة وعادات الإنسان، لكن الدولة الإسلامية التي كان الفضل البشري لتثبيت أركانها مع مرور الزمن وتقلباته يرجع إلى توافق اللحظة مع القائد، وهذا كله يدل ويثْبت قدر الله، وأن الله يُيَسر الظروف لتتناسب مع قائد المرحلة.

تستحضرنا مقولة «وإن كنتم لا بد مقتدين فاقتدوا بالميت، فإن الحي لا يؤمن عليه الفتنة»، لكن ارتباط اللحظة مع القائد تجعل المتبصر في أمور الدول ونهضتها، يصعب عليه ذكر عوامل نهضة الأمة دون أن يكون للقائد الأسبقية في الحديث عنها.

التوسع التأثيري الذي يشهده الرجل المريض سابقًا المتعافي حاليًا، ليس بسبب أن الأمة التركية أرادت أن تعود لسابق عهدها سيدة أوروبا والعالم، بل لأن هناك قادة أرادوا ذلك، على رأس هؤلاء القادة الطيب أوردوغان، فيبدو لقارئ التاريخ أن الطيب أوردوغان يحفر اسمه من ذهب على لوحة الشرف للقادة المسلمين، الذين يضعون الإنسان أيًا كان موطنه في أولوية سلم اهتماته السياسية والاقتصادية والعسكرية.

في هذه الآونة بدا ملحًا على إنسان الحضارة العظيمة، احتياجه الماس إلى الترابط الاجتماعي والاهتمام الصحي بهذين العنصرين إرث عظيم ورثه الطيب أردوغان من الحضارة الإسلامية التي أبدعت في الحفاظ على تماسك المجتمع روحيا، وتربية إنسان هذه الحضارة على صفات خلقية تمكنه من العيش في مجموعات في وقت الأزمات دون تفكك المجتمع وانهياره.

تركيا ما بعد الطيب طريقها طيب، قوة سياسية اقتصادية صاعدة كالولايات المتحدة الأمريكية قبل الحرب العالمية الأولى، ونظام اجتماعي صحي مستدام مستمد من روح الدولة الإسلامية.

مع صعود الولايات المتحدة الأمريكية قبل الحرب العالمية الأولى، كانت هناك إمبراطوريات سيطرت على العالم القديم، وبدا أنْ لابد عن الاصطدام مع بعضها البعض في عملية استنزاف، وكسر بعضها البعض لتسيطر إمبراطورية واحدة على المشهد السياسي والاقتصادي العالمي، ولكن ما أدركته الولايات المتحدة، أنه مشهد لهبوط جميع الإمبراطوريات من قمة السلم الدولي إلى منتصفه أو أسفله، فبدا وكأنها محايدة، لكنها في الحقيقة تنتظر اللحظة الفارقة، لكي تتدخل فتغير موازين القوى لصالح الأقرب إليها سياسيًا واجتماعيًا، لكنها لم تتدخل من تلقاء نفسها، بل انتظرت لحظة الصفر حتى طلبت منها الإمبراطوريات العظمى مساعدتها بعد أن أنهكت كل القوى المتصارعة بعضها البعض فأجهزت على الخصم وتقدمت خطوة دون أن تتراجع خطوات، يبدو أن هذا التكتيت يؤتي أكله حتى مع من يبدو ماهرًا باستخدامه، فهو تكتيك لا يستفز المنافس، فيستثير قواه الكامنة من أجل القضاء على المنافس الصاعد.

الرجل المتعافى استخدم هذا الأسلوب منذ أن بدأ قادته فن إدارة القوى المتاحة دون الاصطدام وإنهاك هذه القوى، بل كسب قوة فوق القوة المتاحة، والصعود درجة درجة على سلم التقدم العالمي، يقول الله عز وجل «خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ ۚ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ» فطبيعة الإنسان تفرض عليه الاستعجال في جني الثمار، وهي سنة تخالف تركيبة هذا الكون، فبدا واضحًا محاولة الرجل المتعافى إعادة حواضنه التاريخة التي لم يستطع الغرب استئصالها من بعضها البعض، فالتمركز العسكري في سوريا وليبيا، وخلق تموضع جديد في شبه الجزيرة العربية بمبدأ انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، فمنع الظالم من ظلمه نصرة له، والتموضع السياسي في حاضنة العرب الكبيرة مصر، من احتضان للمعارضة بكافة أطيافها، حتى مع من ينتقد هذه التوسعات للرجل المتعافي، وعودة التأثير في دول البلقان والدول التركمانية، كل هذه خطوات للوصول إلى قمة الهرم الدولي، وعودة التأثير الإسلامي، يخطئ القول من يدعي على أردوغان أنه يريد عودة التأثير التركي القومي، فالحقيقية الجلية كما تتجلى الشمس في كبد السماء، أن خطاباته ونتائج تصرفاته وأفعاله فيها إعلاء للقيم الإسلامية ونسب الفضل لها في كل نجاح تتقدم به الدولة التركية، فحتى على الصعيد الداخلي أحدث طفرة عظيمة في عودة القيم الإسلامية إلى البيت التركي، والحفاظ بقدر المستطاع على البيت العربي وتزكيته، وحثه على الاندماج بالبيت التركي، فالربط الاجتماعي بين مكونات المستظلين براية واحدة من أهم عوامل استدامة نهضة الراية، فالإسلام كان الهدف الأسمى من مبعثه إحياء الرابط الاجتماعي وتآزره، فما يحدث في الأمة العظيمة المادية الأمريكية، يؤكد على أن لا نهضة مستدامة بدون الرضوخ لقوانين الإسلام وفلسفته في إخضاع النفس للتزكية، ليرتقي البدن، لا أن يفرض قوانين تمنع بدن الإنسان الأبيض من اِلحاق الضرر ببدن صاحب البشرة السمراء، والأرواح متنافرة متباغضة تنتظر رفع القيود ليعود اللاحق للسالف، وتعود عبودية أصفر اللون على أسود اللون.

القوى الصاعدة هي من تتنبأ بالمخاطر المستقبلية التي تهدد صعودها، وتستثمر ذلك في وقت صعودها لا أن تنهك قواها في سلوك طريق بدأها به غيرها، بل تبدأ من حيث وقف الآخرون، هذا ما تفعله تركيا الطيب أوردوغان فالتقدم العسكري الحادث وتطور الآليات المستخدمه تبرهن على ذلك، فلم يكتف ببداية صناعة ناقلة جنود، بل بدأ بالتكنولوجيا العسكرية المعقدة التي آتت ثمارها في العمليات العسكرية المتعاقبة، والتقدم الصحي من وضع أسس للبنية التحتية الصحية، من اهتمام بالكادر الصحي ورفع شأنه اجتماعيًا وإبراز أهميته لدى المجتمع التركي، وبناء للمستشفيات تخطت بعض مستشفيات أوروبا، والحث على الاكتفاء الغذائي وزيادة الصادرات منها، والاكتفاء من الطاقة من استخراج مباشر للموارد الطاقة من الغاز والبترول، هو قراءة واقعية لما يتهدد قوته الصاعدة.

تركيا تسير على خطا القوة الصاعدة قبل الحرب العالمية الأولى أمريكا في نهضتها المادية، لكنها تمزجها بروح الإسلام ليتحقق لها عنصر الاستدامة ما دامت تكيف النفس على قوانين الطبيعة التي أتى الإسلام ليجليها حتى لا تصطدم مع الحضارة وهي في قمتها فتطرحها أرضًا، فلا تعارض مع قوانين الطبيعة وشارحها الإسلام فهما من رب واحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد