قد أصبحت تركيا صداعًا أبديًا للولايات المتحدة وإسرائيل اللتين تعملان على إحداث الفوضى وزعزعة الاستقرار السياسي والعسكري في تركيا بغية تقويض قوتها المتزايدة في كل المجالات وتأثيرها القوي في العالم العربي والإسلامي.

ما هي الأسباب الجوهرية وراء رغبة الكيان الصهيوني ودولة أمريكا لإسقاط حكومة أردوغان؟ وهناك أسباب عدة ومن أهمها: تركيا من أي دولة أخرى أو جماعة مسلمة نجحت في عرض الشكل الإيجابي والبناء والعملي لدين الإسلام، مع مراعاة قيم الإسلامية الأصيلة في معاملاتها مع الآخرين وتدخلاتها في الشؤون الإقليمية والعالمية وعلاقاتها التجارية والعسكرية والاقتصادية مع الدول الأخرى وغير.

النقطة الثانية تتعلق بسياستها الماكرة (سياسة الثعلب) في معاملاتها مع الغرب ولا سيما سياستها الخاصة في شراء الأسلحة من الدول الكبرى. تركيا لا تشتري الأسلحة من أي دولة إلا بشرط أن تلك الأسلحة سيتم إنتاجها فيها بعد مضي مدة محددة وذلك لتجعلها مكتفية ذاتيًا في مجال الصناعة العسكرية، وهذه السياسة العاقلة أدت إلى أن تجعل تركيا دولة مصدرة للاسلحة إلى دول عدة في العالم بدلًا عن أن تكون دولة مستهلكة كما هي العادة بالنسبة لكثير من الدول في العالم الثالث وتركيا الآن أصبحت قادرة على أن تصنع الأسلحة وتقوم بتصديرها إلى دول أخرى وخير مثال يمكن سرده بهذا الصدد شراء دولة باكستان 30 مروحية عسكرية حربية تركية من طراز أتاك تي 129 في العام المنصرم وهذه الخطوة لا شك قد أزعجت الدول التي تحتكر تصدير الأسلحة مثل أمريكا وفرنسا وإسرائيل وغيرها.

تذكير مسؤولي تركيا وخاصة رجب طيب أردوغان في المحافل المحلية أن تركيا ستكون مختلفة تمامًا عن تركيا الحالية في عام 2023 وهذا الإعلان يرسل رسائل واضحة إلى معاهدة لوزان الظالم الذي تم التوقيع عليه في عام 1923 برئاسة مصطفى كمال باشا أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة وأبي العلمانية في تركيا، والتي جعلت تركيا دولة تعتمد على الدول الأخرى في كل المجالات وهذا الاعتماد أعطاه وصف «رجل أوروبا المريض» وجعلتها غير قادرة على تحصيل الرسوم من السفن المارة في مضيق البسفور الرابط بين البحر الأسود وبحر مرمرة، وتنفيذ قرارات مماثلة جعلت تركيا من أفقر الدول في العالم لا مكانة لها في السياسة العالمية.

ولكن الاحوال تغيرت بعد ما وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في عام 2012 وبدلًا عن القيام بإلقاء الخطب الدينية والوعظ عن الآخرة وخلق عالم خيالي للنزغة الجهادية بعيدة عن العالم العملي، ركز الحزب على إصلاح الاقتصاد وتقدم المواطنبن في كل المجالات وتبنوا سياسة خاصة اقتصادية لتجعل تركيا مكتفية ذاتيًا في كل المجالات ونسبة المغتربين التركيين يعملون في الخليج فقط إلى 10% من إجمالى المغتربين يشتغلون في المنطقة تشير إلى نجاح هذه السياسة.

قرار تركيا أن تكون المعاملات التجارية بينها وبين الدول مثل روسيا وإيران والصين والهند وغير ذلك من الدول بالعملات المحلية وذلك بعد محاولة أمريكيا وحلفائها لشن حرب اقتصادية على تركيا في العالم الماضي بعد فشل المحاولة الفاشلة للانقالب العسكري في يوليو (تموز) عام 2016.

تركيا بقيادتها الحالية تقول عبر لسان رجب طيب أردوغان في المحافل المحلية والإقليمية وحتى في المحافل الدولية إن «العالم أكثر من خمس»، وأن هناك حتمية لا غنى عنها في التفكير عن إصلاح النظام الحالي للمجلس الأمن الذي يتكون من خمسة أعضاء الموكلون بفرض القواعد على الأرض، وهذه السياسة تعد تحديًا واضحًا لكل الدول الكبرى اللتي تتمتع بصلاحية فرض هيمنتها على أرض الواقع وحق النقض الفيتو ضد أي قرار يمس مصالحها، ونحن شاهدنا استخدام هذه القوة مرات في قضايا الأمة العربية مثل قضية فلسطين والعمليات العسركية على أفغانستان والعراق وغير.

إن القيادة الحالية في تركيا ماهرة وماكرة في التعامل مع الأزمات والقضايا مع الولايات المتحدة وروسيا وحتى مع إسرائيل بدون الاستفزاز مع التركيز على مراعاة مصالحها وسياساتها الخارجية التي تقوم على الاحترام المتبادل والتدخل في الشؤون الإقليمية والعالمية بمنظور يقوم على العدالة والمساواة لكافة البشرية.

هل تبرز تركيا مرة أخرى في الساحة الدولية؟ أم ستتعرض لهجمات مختلفة من الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائها المتينة في العالم؟ أم هي ستنجح في ترسيخ وجودها في الخريطة العالمية كما فعلت قبل سنوات؟ ننتظر ونرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد