لا يخفى على المتابع ذلك التباين في المواقف السياسية والعسكرية على حد سواء بين الغرب بشكل عام، وبين تركيا حليف الغرب بالأمس، يتجلى ذلك في واضحًا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت منتصف يوليو (تموز) 2016، حيث بدأت الحكومة التركية تدرك أنّ الغرب، وعلى رأسه أمريكا، يسعى لإسقاطها بكل السبل. لتبدأ تركيا تحوّلها الصريح نحو روسيا والمحور الآسيوي، مع المحافظة على اتزانها واستقلالية قرارها.

وعندما نسلط الضوء على الموقف التركيّ من نظام الأسد، نجد أنها لم تكن مأرجحة مثل بعض الدول، بل كانت واضحة منذ البداية، حيث حالوت بادئ الأمر ثني الأسد عن استخدام القوة ضدّ المتظاهرين السلميين، ونصحته بالاستماع لهم كما حذرته من جرّ البلاد لهاوية لا يُعلم مدى قَعرها. وعندما رات أنّ الأخير مصرّ على استخدام القوة العسكرية ضد شعبه، أعلنت موقفها المناهض له ومن ثمّ قطعت علاقاتها معه، متجهة لدعم المعارضة الوليدة آنذاك.

موقف تركيا في الحقيقة لم يتغير منذ ذلك الوقت، إلا أنّ تركيا دولة لها مصالح مثل بقية الدول، فهي بالدرجة الأولى تريد عدم وصل تيار الفوضى السياسية والاقتتال العسكري إلى الداخل التركي، على أساس العرقية أو الطائفية، لا تريد تركيا أن تستغل بي كا كا (حزب العمال الكردستاني) الصراعَ السوريّ وتفتح ممرًّا بين سوريا وتركيا، لتنفيذ أجندتها الإرهابية. ولذلك نرى الحكومة التركية مختلفة مع الولايات المتحدة وفرنسا حول دعم قوات سوريا الديمقراطية، حيث تعتبرها ذراعًا سوريًّا لمنظمة بي كاكا، وبالمناسبة المنظمة هذه مصنفة على أنها إرهابية لدى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبيّ.

الضربة الأمريكية على سوريا

عندما أعلن الرئيس الأمريكيّ السابق، باراك أوباما، في أغسطس (آب) 2013 عن نية بلاده شنّ ضربات عسكرية ضد نظام الأسد، عقب هجوم الأخير الكيماوي على الغوطة الشرقية، كان الموقف التركيّ أكثر من مرحب لذلك القرار الأمريكيّ، بل إن رئيس الوزراء التركي في ذلك الوقت رجب طيب أردوغان، قد أعلن عن استعداد بلاده للمشاركة بأيّ عمل عسكري ضدّ نظام الأسد، وبدا الجميع متحمسًا لساعة الصفر، ولكن اكتشفنا أنّنا قد سمعنا جعجعة أمريكية ولم نرَ طحينها، فسرعان ما بدا أوباما المتردد أصلًا متراجعًا، حتى أنّ الضربة اليت تم الإعلان عنها كانت ستقتصر فقط على ضرب وتدمير المنشآت والأسلحة الكيميائية، أي لا مانع عندنا أيها الأسد من الاستمرار بقتل شعبك بكل الأسلحة، وكلن من فضلك لا تقترب من الكيميائية.

في ذلك الوقت بدت تركيا منصدمة من الانسحاب الأمريكيّ بعد ضجيج إعلاميّ وسياسيّ جعل الجميع يتقين وقوع ضربة غربية على نظام الأسد، الذي يقتل شعبه منذ عام 2011.

ترامب زعيم أعلن الحرب على تويتر!

في العام الماضي 2017 وفي شهر أبريل (نيسان) أيضًا، شنّ نظام الأسد هجومًا بالغاز السام على منطقة خان شيخون بريف إدلب، وحينها فار الرئيس الأمريكيّ ترامب ووصف الأسد بالحيوان، وتوعد بردّ قاس، لنستيقظ عىل خبر صواريخ توماهوك الأمريكية قد قصفت مطار الشعيرات بريف حمص الشماليّ، بأمر من الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب. ومع أنّ الضربة لم تكن كافية ولم تكن إلا في جملة تدمير سوريا، فهي لم تقضي على نظام ولا حتى على مطار.

ومع ذلك، رأينا أن الموقف التركي كان مرحبا بتلك العملية، حيث صرّح نعمان قورتولموش مساعد رئيس الوزراء في ذلك الوقت، تركيا تنظر بإيجابية للعملية الأمريكية، مستدركًا أنّ بلاده تدعو لاستمرار هذه الضربات إلى أن تتم معاقبة الأسد ونظامه دوليًّا.

وأخيرًا وضمن مسلسل كيميائي الأسد، شنّ الأخير هجومًا بالغاز السام على مدينة دوما بالغوطة الشرقية، وهنا فار ترامب أكثر من المرة الماضية، وسمعنا عن تحالف أمريكي- بريطاني – فرنسي، حيث أكدت الدول الثلاثة على ضرورية معاقبة الأسد بالقوة، وكنا متأكدين أنّنا سنستيقظ على خبر قصف غربي من الجو والبحر ضدّ قواعد الأسد التي يقصف منه شعبه.

ولكن تركيا في هذه المرة لم تكن متحمسة للغاية، بل حتى وزير خارجيتها مولود جاويش أوغلو، اجاب على سؤال موقفهم من الضربة الأمريكية قائلًا: سننتظر ونرى إن كانوا سيفعلوها أم لا! بينما رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم سخر من الاستعراضات العسكرية على موقع تويتر بين الولايات المتحدة وروسيا، قائلًا: الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن تهدد بعضها على تويتر مثل فتوات الشوارع. أما الرئيس التركي أردوغان فأبدى انزعاجه من دول تثق بقواها العسكرية وتريد تحويل سوريا لساحة صراع واستعراض.

الموقف التركيّ هذه المرة كان باردًا من عزم الإدارة الأمريكية والغرب على شنّ ضربة عسكرية ضدّ الأسد، ليس السب باعتقادي هو التحالف الحالي الذي يجمع بين تركيا وروسيا، لا بل هو اقتناع الإدارة التركية أنّ الغرب يتحدث أكثر مما يفعل، هو انعدام الثقة التركية بالإدارة الامريكية، خصوصًا بعد إصرار الأخيرة على دعم تنظيمات تهدد الأمن القومي لتركيا. ولو كان التحالف الروسي – التركي هو السبب في برادة الموقف التركي، لكان قد أثر في الموقف التركي الذي رحّب بضرب مطار الشعيرات العام الماضي، ولكان أيضًا قد عمل على تغيير الموقف التركي من الأسد، ولكن هذا ما لم يحصل.

كيف تنظر تركيا للأسد؟

باعتقادي وبنظري المتواضع، فمن المؤكد أن تركيا قد لفظت الأسد منذ 2011، ولا يمكن للمياه أن تعود لمجاريها كما يروّج بين الحين والآخر، والذي يتابع الأحداث والمواقف التركية يعي ذلك جيدًا. وإذا كان هناك تحالف بين تركيا وبين روسيا وإيران حليفَي الأسد؛ فإنّ سبب هذا يرجع إلى الغرب الذي ظل يخادع رتكيا، ويمكر لها من الداخل والخارج، فتركيا تبدو مضطرة لأن تتفاهم مع روسيا أكثر من كونها سعيدة بذلك.

ماذا عن ضربة ترامب؟

وتأكيدًا على أحقية ان يكون الموقف التركي باردًا هذه المرة، رأينا كيف أعلن ترامب حربه على الأسد من قاعدة تويتر الفضائية، ولكن على الأرض تلكؤ وتباطؤ وتخبط في التصريحات. ولا أعرف لماذا يخبرني حدسي أنّ تلك الضربة وإن حصلت فإنها لن تقصم ظهر البعير أو الحيوان الأسد، بل إنها ستكون ردًّا على استخدام السلاح الكيميائيّ فقط، أما باقي الأسلحة فلا بأس بها، وإن كان الغرب جاد حقيقة في معاقبة الأسد، لكنا رأينا ذلك من قبل، وليس بعد سنوات، إلا أن كان الهدف الحقيقي ليس معاقبة الأسد، بل تصفية حسابات بين الغرب وروسيا على أرض سوريا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!