منذ تولي رجب طيب أردوغان مقاليد الحكم في أنقرة، بعد صعوبات جمة واجهها، تمكن من الجمع بين متناقضات كثيرة، لكنه بالفعل استطاع أن يسيطر على الدفة في كثيرٍ من الأمور؛ وباتت علاقاته الدولية المتشعبة محط أنظار الصديق والعدو على وجهٍ سواء.

بيد أن خلفية الرجل الإسلامية واتجاهه في كثير من الأمور لتغيير الكثير من مظاهر الدولة العلمانية مثل الحجاب وشرب الخمر وغيرها، جعلت العلاقة التي تجمع بينه وبين إسرائيل لافتة للنظر.

 

تاريخ العلاقة التركية الإسرائيلية

من المعروف أن العلاقات بين الجانبين تعود لسنين عديدة خلت وبالتحديد منذ ميلاد الدولة في عمق الوطن العربي، وتم الاعتراف بها من قبل الجمهورية التركية في ذلك الوقت، واستغلت إسرائيل ذلك الوضع لتغدو المورد الأساسي لعمليات التسليح في تركيا، حيث بلغ متوسط حجم ما تستورده أنقرة من السلاح سنويًّا مليار دولار؛ في حين تحولت أجواء تركيا ومياهها الإقليمية إلى ساحات تدريب لسلاحي الجو والبحرية الإسرائيلية، وقد وصل الأمر إلى حد أن تركيا كانت على استعداد لبيع المياه لإسرائيل ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل وصل التعاون في شتى المجالات الدبلوماسية والإستراتيجية والعديد من الاتفاقيات وفي وجهات النظر في الكثير من القضايا. وتطورت الأمور بشكل متصاعد بدرجة كبيرة حتى يناير من العام 2000 حيث وقعت بشكل رسمي اتفاقية التجارة الحرة بين إسرائيل وتركيا وباتت العلاقة فوق كل التوقعات.

 

دخول أردوغان على الساحة

يعد أردوغان من أصحاب المذهب البراغماتي في العلاقات بين الدول ولعل وجهة نظره حول العلاقة مع إسرائيل من ضمن الأسباب الرئيسية لانشقاقه عن مدرسه الأول نجم الدين أربكان، حيث حرص على استمرارية العلاقة بين البلدين، واستمر على نهج أسلافه في التعاون الاقتصادي والعسكري والأمني على أعلى المستويات.

بيد أن أردوغان كان دائم الانتقاد لإسرائيل، ولسياساتها ضد الفلسطينيين وحملاتها العسكرية عليهم إلا أن ذلك، كانت تعده إسرائيل والنخبة الحاكمة في تل أبيب ليس أكثر من الحملات الدعائية لكسب مزيد من التأييد الشعبي والفلسطيني وكذلك نوع من اختراق الجذور مع جبهات جديدة كحركة حماس الصاعدة. برغم أن أردوغان بدأ في توجيه اللوم لإسرائيل مبكرًا وتحديدًا في 2004 حين واصلت إسرائيل عمليات القتل بحق الفلسطينيين.

وفي عام 2006 في مؤتمر دافوس الاقتصادي، وجه أردوغان انتقادات لاذعة لرئيس إسرائيل في ذلك الوقت شيمون بيرس وانتقده على الحصار الذي يفرضه على قطاع غزة وكذلك استخدام إسرائيل للبكائيات كثيرًا مقابل استمرار عملية القتل اليومية بحق الفلسطينيين.

واستمرت العلاقة شيئا فشيئا بالتدهور حتى العام 2008 والذي وجه من خلاله أردوغان والحكومة التركية انتقادات قاسية عقب الحرب التي شنتها إسرائيل على الأراضي الفلسطينية وسمي “الرصاص المصبوب” والتي راح ضحيتها خلال ذلك الوقت نحو 1500 شهيد وآلاف الجرحى والمصابين.

حاول أردوغان أن يوقف الحرب بالفعل وأن يكون وسيطًا بين إسرائيل وحركة حماس بيد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت في ذلك الوقت تجاهل اتصال أردوغان الهاتفي مما دفع بالرجل التركي للانتقاد العلني شديد اللهجة وقال “إسرائيل شديدة البربرية”.

وتأزمت العلاقات الثنائية في 2010 بعد اعتداء إسرائيل على أسطول الحرية لكسر الحصار على غزة وقتل عشرة مواطنين أتراك على متن السفينة مرمرة، وأدت الأزمة في حينها لطرد السفير الإسرائيلي من تركيا في 2011.

 

ما بعد 2010

الحقيقة أن أردوغان كثيرًا ما عمل وحكومته في تبهيت العلاقة بينه وبين إسرائيل ولتنفيذ ذلك بأقل قدر من الخسائر والضغوط عمل الرجل على التقرب من أوروبا أكثر وبدأ مفاوضات للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لم تنته بعد والعمل على تأسيس محور بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية يضم كلًّا من سوريا وإيران؛ خاصةً وأن وجهات النظر في كثير من القضايا متباينة بين البلدين برغم سعة أفق أردوغان البراغماتي ويقينه أن استقرار علاقاته مع إسرائيل يعني بالفعل استقرار حكمه في أنقرة.

انقطعت العلاقات الرسمية السياسية تمامًا بعد مجزرة مرمرة ومن 2010 وحتى أواخر العام الجاري 2015، خاضت تركيا وإسرائيل مفاوضات حثيثة بين البلدين لعودة العلاقات غير أن أنقرة كانت ترفع عدة شروط، قبلت إسرائيل بعضها ورفضت البعض الآخر ومنها مثلا التعويض المالي والاعتذار العلني الرسمي وهذا ما قبلت به إسرائيل فيما رفضت رفع الحصار عن غزة بالكامل وإدخال بعض المشاريع الكبيرة مثل زيادة خطوط الطاقة لصالح القطاع.

لكن وتحديدًا في 13/12/2015 دعا أردوغان إلى تطبيع العلاقات بين البلدين؛ وجاء في تصريحه: “الشرق الأوسط سيستفيد كثيرًا من تحسين العلاقات بين تركيا وإسرائيل”.

وبالفعل يوم الخميس 17 ديسمبر من العام 2015 توج اتفاقًا بين الجانبين غير شروط تركيا البتة وربما لصالح ميزان إسرائيل أكثر وفق بنود:

  1. عودة السفراء.
  2. إلغاء الدعاوى المرفوعة ضد الجنود الإسرائيليين.
  3. إنشاء صندوق خاص من قبل الاحتلال لتعويض المصابين في حادثة “أسطول مرمرة”.
  4. أبدت تركيا استعدادها لعدم تمكين “نشاط إرهابي” على أراضيها.
  5. عدم السماح للقيادي في حركة “حماس” صالح العاروري بدخول تركيا.
  6. تركيا ستسمح بتمرير أنبوب للغاز عبر أراضيها.
  7. إجراء مفاوضات فورية بين إسرائيل وتركيا حول بيع الغاز.

 

ما الذي حصل ولماذا؟

كانت الأمور بالفعل تدور حول ارتياح رسمي تركي للعلاقة الباهتة بين البلدين، وازداد يقين النخبة الحاكمة هناك بعد بدء شرارة الربيع العربي في كثير من البلدان وانهيار الأنظمة المصرية والتونسية وصعود النخبة الإسلامية في المغرب.

بيد أن الربيع العربي وآماله العريضة سرعان ما انهارت عقب الفوضى التي لحقت بدول الربيع وانهيار نظام الإخوان في مصر بعد أقل من عام وتخلي النخبة في تونس عن الحكم وتولي أتباع بن علي والفوضى التي عصفت بليبيا ومازالت، وأخيرًا تعقد المشهد السوري لدرجة كبيرة وصعود ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية واستخدامه الحدود السورية التركية نقاط ارتكاز وتدفق لمقاتليه، واتخاذ أنقرة موقفًا معاديًا من نظام الأسد وكذلك تنظيم الدولة على حدٍ سواء.

أدى ذلك كله إلى تدخل معظم الدول الغربية في المشهد السوري والهدف المعلن هو قتال داعش هناك، بيد أن الحقيقة التي يعلمها النظام التركي الحاكم يقينًا هي استمرارية الوضع هناك فلا صعود لتنظيم الدولة ولا انهيار تام لنظام الأسد.

وهذا يعني أن النظرية التي أفصح عنها رئيس الوزراء التركي الحالي أحمد داود أوغلو وهي “صفر مشاكل” باتت من الماضي، إذ أن الصورة معقدة تمامًا والعلاقات متدهورة بين إيران وسوريا ولبنان ومصر والكثير من الريبة مع النظام السعودي.

من جهة أخرى يعلم الإسرائيليون أن أنقرة مثلها مثل تل أبيب باتت تدرك إن الأزمة السورية يمكن أن تصبح مصدر تهديدات جدية لأمنها القومي، مما يحتم تعاونًا إقليميًّا لمواجهة هذه التحديات، سيما وإن أردوغان يستبعد التدخل العسكري المباشر في الأزمة، ورفض واشنطن المتكرر لعرض تركيا بإقامة منطقة عازلة داخل الأراضي السورية لتكون مكانًا يستوعب اللاجئين من جهة ومن جهة أخرى تضمن عدم تدفق المزيد من المقاتلين عبر أراضيه.

أما في الداخل، فبالكاد نجا أردوغان من فخ الانتخابات حيث تراجعت نسبته بشكل لافت لكن تعذر تشكيل الحكومة من قبل أحزاب الأقلية دفع بإعادة الانتخابات التي من خلالها استعاد حزب العدالة والتنمية مرة أخرى أغلبيته، ورفع أوغلو شعار الشامت بالآخرين “سنحكم تركيا لوحدنا”.

ولا يمكن بحال إغفال التطور اللافت في الآونة الأخيرة بين روسيا وإسرائيل وتدخل موسكو العسكري الفظ في عمق الأراضي السورية والمناكفة التي وصلت حد “الردح” بين بوتين وأردوغان وتشفي إسرائيل من هذا التدهور، والتي على إثره، أعلنت روسيا عقوبات اقتصادية تحظر الواردات التركية بداية من شهر يناير المقبل واحتجاز عدد من رجال الأعمال الأتراك الذين كانوا في زيارة لروسيا، وفرضت قيودًا على العمالة التركية، وحظر سفر الأتراك بدون تأشيرة لروسيا، وطالبت روسيا رسميًّا مواطنيها بعدم التوجه إلى تركيا، وإلغاء رحلات الطيران الشارتر، واستبعاد الشركات التركية من المناقصات، وإنهاء التعاون العسكري بين البلدين.

 

عند المصالح سيكون العمل مريحًا

الحقيقة التي يعرفها الجميع أن دوام الحال من المحال، ولا يمكن بأي منطق أن تستمر العلاقة بين الطرفين أو تعود إلى سابق عهدها، فالعلاقة عن حب غير العلاقة عن مصلحة، إسرائيل تعلم أن إذعان أنقرة أخيرًا على عودة العلاقة بين الطرفين جاءت بسبب تعقد المحيط العربي والإقليمي لا سيما بعد الاتفاق التاريخي بين إيران والدول الكبرى بشأن برنامجها النووي وتركيا تعلم دور إسرائيل الكبير في سوريا والتقارب اللامحدود بين نظام مصر الحالي وهي بحاجة ماسة لهذا القرب في تحسين العلاقة حتى لو كانت من الباب الخلفي.

وكانت إسرائيل بالفعل حاولت إيجاد بديل مجدٍ إثر انهيار العلاقات مع تركيا، يكفل لها سد النقص الذي خلفته أنقرة خاصةً بعد التغير الكبير في المنطقة، وبالفعل قامت بالتواصل مع اليونان ونجحت في الحصول على اتفاقية تسمح بفتح المجال الجوي اليوناني للطائرات الإسرائيلية بغية التدريب، وقامت بمحاولات أخرى في رومانيا وبلغاريا، بيد أن هذا كله لم يكن ليغني عن الدور التركي المتنافي في المنطقة خاصة مع اقتصاد قوي ومتين تمت صناعته عن خبرة ودراية.

أما فيما يخص العلاقات الاقتصادية المتبادلة والتي ستشهد تحسنًا للطرفين، فسيشهد قطاع الطاقة فرصة جذابة أخرى للتعاون. وتأمل إسرائيل في أن تصبح دولة مصدرة للغاز الطبيعي، بيد أن حقل ليفياثان العملاق في إسرائيل سيتطلب استثمارات أجنبية كبيرة، وبالتأكيد ستكون تركيا، خاصة بعد أزمتها مع روسيا، تبحث عن البديل وبسرعة والشعار هنا الفوز للجميع.

وعلى الصعيد الأمني، تحافظ تركيا على علاقات مع «حماس» والسلطة الوطنية الفلسطينية، وفي الوقت الذي تنظر فيه إسرائيل إلى علاقات تركيا مع «حماس» بعين الشك، فإن الحكومة الإسرائيلية تكسب شرعية مع القوى الإقليمية والعالمية الأخرى إذا أنشأت علاقات ودية مع أنقرة.

وكذلك على الصعيد الداخلي الإسرائيلي سيتمكن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من التلويح بمحور إسلامي معتدل، والتعامل مع مبادرات سياسية أوروبية، وسيتمكن نتنياهو من بناء 1000 وحدة استيطانية في مدينة معاليه أدوميم، التي تلقى اعتراضًا دوليًا، وإرجاع حزب وزير الخارجية السابق أفيغدور ليبرمان إلى الائتلاف الحكومي، حيث كان اشترط استئناف بناء المستوطنات للعودة للائتلاف.

كل هذه الأسباب، جعلت تركيا تخشى أن ترفع شعار: إن خسرت عليك أن تغير من قواعدك، وهذا ما حدث بالفعل.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إسرائيل, تركيا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد