بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، أصبح لزاما علينا أن نتساءل لماذا تتدخل الجيوش في السياسة في عالمنا العربي والإسلامي وكيف السبيل لوقف ذلك؟ وما هي الدروس المستفادة؟

إن بنية الدولة القومية في عالمنا العربي والإسلامي «ما زالت لا عقلانية، واهنة، وبالتالي عنيفة، مرتكزة على العصبيات والعلاقات العشائرية، وعلى بنية عتيقة للشخصية».

فما حدث في الدولة القومية في الغرب أنها تأسست على النحو التالي.

أمه لها فلسفاتها ورؤيتها وتأسس على إثرها دولة قومية أسست بدورها جيشًا لها ليحمي حدودها ويغزو ويحارب الآخرين وفق نفس الفلسفات والرؤي التي تأسست عليها الأمة، أما ما حدث في دول الشرق الأوسط هو العكس تمامًا، جيوش أوجدت لها دولا، ودولا ترغب في تأسيس أمه على خلاف هويتها الحقيقية! وهذا ما تسبب في ذلك المسخ  والتفكك الذي نراه بين المجتمع والدولة في الشرق الأوسط.

أما من حيث المعارضة الإسلامية تحديدًا «فقد تفرقوا بين أطيعوا أولي الأمر منكم، وبين أطيعوا الله ورسوله، ولم يتبينوا أبدًا سبل التوفيق إذا تناقض الأمران، علمًا بأن التناقض هو القاعدة في حياة المؤمنين، لذا لم تتبلور أو تظهر نظرية للدولة أصلا في مخيلتهم» عبدالله العروي.

أما النخب العلمانية فتحول الأمر معها إلى «أكل عيش» فحسب رؤية عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أن المثقفين يحتلون وظيفة أيدولوجية بامتلاكهم رأس مال ثقافي وفكري، وكمنتجين رمزيين للتصورات والرؤى الاجتماعية والسياسية وهم بهذا يحصلون على فوائد عديدة كمناصب أكاديمية أو عقود نشر أو جوائز أو وظائف جامعية أو مكانة اجتماعية …إلخ.

أما عن الفئات السيادية المتحكمة في الدولة فأصبحت «طبقة يتم عزلها عن المجتمع ويتم تغريبها تمامًا، وتتبنى قيمًا مخالفة للمجتمع وثقافته، وتمنح امتيازات مادية ومعنوية تجعلهم يشعرون بمكانتهم الفوقية، تلك الامتيازات التي تبني جدارًا عازلًا بينهم وبين أبناء الشعب من الطبقات الأخرى المتوسطة والفقيرة والمُعدمة». عبدالوهاب المسيري

وهنا نجح حزب العدالة والتنمية التركي في محاولة التوفيق بين الإرث العثماني الإسلامي والإرث الكمالي الأتاتوركي العلماني والوصول لمساومة وتوافق ما حول القضايا المتفق عليها.

المسألة متعلقة إذا بتوازن نسبي بين ثلاثة عناصر هي المؤسسات السيادية والتي يتزعمها الجيش، الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني، والشعب

وذلك التفاعل مؤداه لثلاثة أشكال من علاقة الجيش بالدولة:

  • جيش الدولة: وهو جيش احترافي نظامي يتبع الإدارة المدنية للدولة ويمتثل لها وفق قوانين وضوابط مهنية معروفة ومتفق عليها وذلك هو حال الدول الغربية.
  • دولة الجيش: وهنا يصبح الجيش هو صاحب السلطة المطلقة والدولة هي التي تتبعه وتخضع لإمرته بالجبر وبقوة السلاح والاعتقال وفق شعارات طوباوية ودوغمائية عن المصلحة الوطنية العامة …إلخ، وهو النموذج الذي تتبناه أغلب دول الشرق الأوسط.
  • الدولة الجيش: الدولة والجيش في هذه الحالة يسيطر عليهم أيدولوجية إثنية أو طائفية ويصبحان كيانًا عضويًّا واحدًا، ومثال ذلك الكيان الصهيوني وجيش الدفاع، ايران والحرس الثورى، الصين وجيش التحرير الشعبي.

وفي كل الاحوال يتدخل الجيش تحت ذريعتين هما: العنف السياسي والانفلات الأمني المصاحب له، والتدهور الاقتصادي والأزمات المالية.

ولكن تدخله ذلك يفشل ولا يتحول لحكم مباشر حسب أمرين وهو ما يمثل «الدرع» الحقيقي أمام محاولات الانقلاب:

  • الشرعية: مدى التزام المواطنين وعامة الشعب بالحرية وبالقيم الديموقراطية وبمدنية الدولة وبالعملية الانتخابية.
  • المشروعية: وهو مدى تجذر الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والنقابات في المجتمع وتغلغلها في بنيان الدولة وقدرتها وقوتها الذاتية.

عن تدخل الجيش في السياسية

الذى يعتقد أن الجيوش لا تتدخل إطلاقا في سياسية الدول لا يعتبر أقل سذاجة من هؤلاء الذين يعتقدون أن الدين يتم تنحيته تماما عن إدارة الدول، خاصة الغربية الذي يتخذها الجميع وجهة ومرجعية، فالجيوش الغربية لها حضور قوي في السياسة سواء الداخلية أو الخارجية كما أن للدين أيضًا دور لا يمكن إغفاله.

بداية يقسم علماء السياسة بنية الدولة المعاصرة من حيث مركز الثقل الاستراتيجي فيها إلى مستويين، أولهما يسمونه «الدولة الضحلة the shallow state» وهو يشمل المؤسسات الخدمية كوزارات التربية والتعليم والصحة والتضامن والنقل … إلخ. والثاني يدعونه «الدولة العميقة the deep state» وهو يشمل مؤسسات السيادة والقوة والمال كوزارتي الدفاع والداخلية ومؤسسة الجيش والمخابرات… إلخ.

فالدولة الضحلة تمتاز بالانفتاح النسبي على المجتمع، وسهولة الالتحاق بها، وضعف تأثيرها على القرار الاستراتيجي المتعلق ببقاء السلطة وتداولها، أما الدولة العميقة فتمتاز بالغموض والانغلاق والاحتكار، وعسر الالتحاق بمراتبها العليا. كما تمتاز هذه المؤسسات بأنها الممسك الفعلي بالقرار الاستراتيجي في مجال بقاء السلطة وتغييرها.

ولنا أن نضيف تقسيمًا آخر وهو «الدولة الموازية Parallel state» وهو مصطلح شاع إثر محاولات الانقلاب المستمرة في تركيا والتي يتورط فيها حسب التصريحات الرسمية الداعية الإسلامي «فتح الله كولن» المقيم في بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأمريكية.

خطوات الحد من تدخل الجيش في السياسية

في بحثه المعنون «بالمعارضة السياسية والمؤسسة العسكرية في دول العالم الثالث» وترجمة المعهد المصري للدراسات، استخدم الباحث «بيتر رايت» عدة صور مجازية ولكننا سنقوم بتعديلها حسب تجربة الانقلاب الفاشلة الأخيرة في تركيا والدروس المستفادة منها، وسنرسم نموذجا مختلفا حسبما نراه، حيث أننا لا نتفق مع الباحث من حيث استخدامه للصور المجازية تلك كمنهجية في استخدام الجيش كأداة للتغيير من قِبل المعارضة.

فنحن لا نرى الجيش أداة في يد أحد ولا يجوز استخدامه لإحداث أي تغيير من أي نوع كان وتحت أي مبرر أو شعار فنحن نؤمن بأن «أي تلاعب بالناس حتى ولو كان في مصلحتهم هو أمر لا إنساني، أن تفكر بالنيابة عنهم وأن تحررهم من مسؤولياتهم والتزاماتهم هو أيضًا لا إنساني» بيجوفيتش.

 نموذج الدرع.. العصا.. السهم.. السيف

الدرع: إن الانقلاب في تركيا قد فشل بسبب متانة الدرع الذي تصدى له وهو المجتمع وجموع الشعب الذي تمسك بالشرعية الدستورية وبما لديه من الثقافة والوعي والشجاعة، ما مكنه من وقف عجلة الانقلاب عن الدوران وهذا أول ما ينبغي أن تركز عليه الدول التي تعاني من حكم عسكري قمعي حيث قوة المجتمع هي الدرع الحصين الذي يُفشل أي محاولات داخلية كانت أو خارجية بالعبث بمستقبل البلاد.

العصا: وهي مرحلة من الاتفاق للوصول لتحييد مؤسسات الدولة وبناء دولة القانون وعدم الزج بها في الصراعات السياسية، وهي ضرورية لاستقرار الدول وبناء إجماع وطني يركز على القضايا الأساسية المتفق عليها، وهو ما ظهر جليا في اصطفاف قوى المعارضة التركية وأغلب قطاعات المجتمع حول مبدأ الحرية والديموقراطية وسيادة القانون بغض النظر عن الخلافات الأخرى.

السهم: وبما أن الحكمة ضالة المؤمن فلا مانع من الاستفادة من تحركات «كولن» وفكرة الدولة الموازية وهو ما يعكس ضرورة وجود السهم كصورة مجازية أخرى تعبر عن ضرورة اختراق بنية الدولة ومفاصلها سواء كانت الدولة الضحلة الخدمية كمرحلة أولى أو العميقة كمرحلة لاحقة، ولا يعني أن يكون الاختراق اختراقا ماديا حتى لا يُفهم الكلام في غير سياقه.

بل قد يكون الاختراق فكريا عقائديا وهو الأقوى «فلا يكون التغيير بالضرورة طبيعيًا أو سهلًا في البيروقراطيات المعقّدة والمركّبة مثل المؤسسات السيادية، وبالتالي فإن عملية تحفيز هذا التغيير تتطلب إدراكًا فريدًا للعوامل المؤسساتية وتأثيرات هذه البيئة وظروفها حول الكيفية التي يمكن من خلالها الخروج من قفص البيروقراطية الحديدي، ودور الشبكات المعرفية في تجاوز هذا القصور البيروقراطي»، بنجامين م جينسن.

السيف: أو ما يعرف بتوازن الردع، وتلك المرحلة من أشد المراحل حساسية وخطورة ومع كل أسف فلها بريق وتثير كثيرًا من الشباب المتحمس والمتعطش لنصر سريع فينزلقون في العنف مما يترتب عليه نتائج غير محمودة، لذلك لابد من وجود صيغة ما تضمن عملية توازن الردع في إطار شرعي قانوني وهي مسألة لابد أن تكون بعد المراحل الثلاثة الأولى وهو ما وقع في تركيا، فمن تصدى للمتمردين بقوة السيف كانت الأجهزة الأمنية الداخلية الشرعية والقانونية.

إن أغلب الباحثين في الشأن السياسي مع كل أسف يتبنون صورة مجازية واحدة فقط مما ذكرناه أعلاه، فبعضهم يبالغ في أهمية السيف ويجعل الإصلاح متوقفا عليه بالكامل، أو في العصا وضرورة التوافق والإجماع حد التخلي عن كل الثوابت، أو في السهم وضرورة العمل الموازي، أو في الدرع وإصلاح المجتمع وتربيته واعتزال الصراع السياسي بالكلية!

وفي ذلك قصور ينافي تركيبة الواقع السياسي والاجتماعي ومشكلاته وتداعياته، ونحن نرى أن الأجدى هو الجمع والتوفيق بين مختلف هذه الصور المجازية وتطبيقها على الواقع حسب مقتضياته.

ولعل ذلك هو درس تركيا للعالم.

والله أعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد