الانقلاب العسكري الذي كان مصيره الفشل في حدود ساعات محدودة من الليل ترك، وراءه الكثير من التساؤلات التي ربما قد تزداد يومًا بعد يوم، ناهيك عن الشكوك الكثيرة والمتعددة عن حيثيات الانقلاب ومجرياتها، إلا أن الانقلاب الذي انتهى بالفشل قد فتح صفحةً جديدةً في التاريخ السياسي التركي عمومًا، وفي التاريخ السياسي لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، فمن حيث الوضع السياسي في تركيا فإن تاريخًا جديدًا بدت ملامحه منذ أيام، بجملة من الإجراءات الأمنية والقضائية والعسكرية والحكومية، بدءًا من اعتقالات، ومرورًا بالاستغناء وإعفاء المئات من الموظفين، وانتهاء بالتعقب الإلكتروني حول كل من يشك في تواطئه مع الانقلابيين، ومن حيث الوضع السياسي لحزب العدالة والتنمية الحاكم، فإن هذا الانقلاب حوَله من حزب ذي أغلبية برلمانية إلى حزب ذي أغلبية شعبية في الشارع وإجماع برلماني مساند من قبل المعارضة البرلمانية، وإلى حزب ذي نفوذ كبير في إعادة هيكلة التشكيلة العسكرية التركية، ما يجعله الحزب الوحيد في التاريخ السياسي التركي القادر على ترويض الجيش، وجعل زمام الأمور العسكرية في يده يحركها كيف يشاء ووقتما يشاء.

لذلك فإن النظر إلى الانقلاب التركي من زاوية أخرى، يبدو لنا مشهدًا آخر في الأيام والأسابيع والأشهر والسنوات القادمة:

أولًا: إن الانقلاب في النتيجة هو انقلاب الحكومة المدنية على النخبة العسكرية، وهذه أول مرة في التاريخ السياسي التركي ينتهي الانقلاب بالفشل، وتكون نتيجة الانقلاب في صالح من كانوا سينقلب عليهم، وإن حزب العدالة والتمنية سيتمتع بشرعية أخرى إضافية إلى جانب الشرعية الانتخابية، وهي الشرعية الشعبية الكبيرة والمدعومة من المعارضة.

ثانيًا: إن الانقلاب العسكري الفاشل قد أعطى الذريعة للحكومة التركية لكي تقوم بإعادة هيكلة الجيش التركي والمؤسسة العسكرية التركية، وفق الرؤية السياسية لحزب العدالة والتنمية، والتي ظهرت بوادرها في الاعتقالات الكبيرة للقيادات العسكرية والجنرالات والأدميرالات وعلى جميع المستويات العسكرية.

ثالثًا: إن الانقلاب العسكري الفاشل قد أعطى فرصةً كبيرةً لتصفية الخصم التقليدي المزعج، والذي يسمى بـ «الكيان الموازي»، أو الدولة العميقة، والذي طالما كان مصدر خوف وقلق وإزعاج للحكومة المنتخبة، رغم أن الجماعة نفسها ترد هذه الادعاءات بشدة، وتنفي أن تكون متورطة في هذا الانقلاب، وصرح بذلك الداعية «كولن» نفسه ردًّا على ادعاءات أنقرة.

رابعًا: إن هذا الانقلاب الفاشل سيعطي فرصةً كبيرةً للتقليل من النفوذ الاقتصادي «للكيان الموازي» حسب تعبيرهم، ذلك أن الصراع بين «أردوغان وكولن» صراع على النفوذ الاقتصادي أكثر مما هو صراع على السلطة السياسية، أو صراع مبادئ ومعتقدات أيدولوجية، وهذا الانقلاب الفاشل بمثابة هدية على طبق من ذهب للانقاض على جميع المؤسسات الاقتصادية لجماعة «خزمت» التي يراسها الداعية «فتح الله كولن».

خامسًا: المراقب للخطوات التي أقدم عليها حزب العدالة والتمنية في السنوات الـ12 السابقة يرى أن الحزب قد حاول ما استطاع بسط نفوذه السياسي على كافة مؤسسات الدولية الحكومية، وحاول السيطرة على مؤسسات القطاع الخاص في تركيا، وكوَن علاقات جيدة مع كبريات الشركات التركية في القطاع الخاص، ما جعل منها علاقة عميقة ومتبادلة بين الحكومة من جهة، وأصحاب المال من جهة أخرى، وهذا ما يجعل الانقلاب كارثيًّا لو نجح، وكان المتضرر الثاني من الانقلاب على افتراض نجاحه هم التجار وأصحاب المال والشركات الكبرى بعد حزب العدالة والتنمية.

سادسًا: إن الحزب الحاكم قد جعل الطريق ممهدًا لتنفيذ إستراتيجيته المعلنة لسنة 2023، والتي واجهت ضربات موجعة بسبب الحرب على الإرهاب، وتأزيم العلاقات مع الجوار، وتوتر العلاقات الروسية- التركية من جهة، وتعميق الهوة بين تركيا وإسرائيل من جهة أخرى، والاستنزاف السياسي من الحرب السورية، والجمود التفاوضي مع الأوروبيين، ما يجعل من هذا الانقلاب الفاشل فرصة ومناسبة كبيرة لبسط الطريق وتمهيده لتنفيذ تلك الإستراتيجية الكبيرة، التي لو تحققت في وقتها ستضمن بقاء الحزب في سدة الحكم لعقود لاحقة.

سابعًا: إن هذا الانقلاب الفاشل قد وضع المعارضة السياسية في تركيا في وضع سيئ لا يحسد عليه، مما أجبرهم على دعم الحكومة المنتخبة ورفض حكم العسكر، وهذا التأييد الواسع من المعارضة يجعل حزب العادلة والتنمية في وضع أقوى مما كان عليه سابقًا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى قد تُفتح آفاق سياسية أخرى للمضي في مسألة عملية السلام مع حزب الشعوب الديمقراطي، الذي رفض الانقلاب العسكري على غير ما كان متوقعًا منه بسبب الخلافات العميقة مع حزب العدالة والتنمية، ومن جهة أخرى فإن الاتجاهات السياسية لحزب القومية وحزب الشعب العلمانيين بدا تقارب كبير بينهما وبين حزب العدالة ذي الخلفية الإسلامية، وهذا يعني فتح آفاق أخرى للتوجه القائم في حزب العدالة والتنمية، والهيمنة على الشارع التركي ذي الاتجاهات القومية المتطرفة.

ثامنًا: إن حالة الطوارئ التي أعلنها الرئيس التركي ولمدة ثلاثة أشهر قابلة للتمديد مرة أخرى، يجعل الدولة التركية في حالة انتقالية شديدة الحساسية، وهذه الحالة التي يقرها الدستور التركي، والذي بموجبه يعطي صلاحيات مدنية وعسكرية واسعة للرئيس، ما يجعله في موقف أقوى مما كان عليه سابقًا.

إذن فالمشهد التركي بعد محاولة الانقلاب يظهر انقلابًا مدنيًّا من قبل الحكومة على المؤسسة العسكرية، أو بالأحرى هو انقلاب مضاد طالما كان يبحث عنه حزب العدالة الحاكم لكي يوجه ضربته المميتة لخصومه السياسيين منهم والعسكريين، وهذا يعني أن الدولة التركية ذاهبة باتجاه الدولة القوية، على ألا تكون ثمة خطط أخرى كما يقال، ومحاولات جديدة للانقلاب، ويبقى التضامن السياسي والشعوبي الذي يقف خلف أردوغان، ومدى تماسك هذا التضامن مستقبلًا أمرًا في غاية الأهمية لكي ينجح أردوغان في تنفيذ سياساته التي طالما جوبهت بعراقيل كبيرة ومتعددة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تركيا
عرض التعليقات
تحميل المزيد