احتفلت بريطانيا وإسرائيل قبل فترة قصيرة بمئوية وعد بلفور، الذي قضى بإقامة وطن قومي لليهود على الأرض العربية الإسلامية المسماة فلسطين، لم يقتصر على ذلك، بل احتُفل في جنوب فلسطين المحتلة في منطقة بئر السبع بالذكرى المئوية لهزيمة القوات العثمانية هناك، بإعادة تمثيل المعركة بمشاركة خيالة وهجانة جاءوا خصيصًا إلى إسرائيل من بريطانيا وأستراليا ونيوزلاند، حيث دارت معارك طاحنة بين القوات الغازية البريطانية وحلفائها، مع القوات العثمانية على أرض غزة وبئر السبع المتلاصقتين جغرافيًا، انتهت عام 1917 بهزيمة العثمانيين، كانت مدينة بئر السبع مركز الثقل العسكري العثماني؛ لقربها من مصر والحدود الجنوبية للدولة العثمانية، التي تحاذيها بريطانيا التي كانت تحتل مصر، وكانت مصر تحت حمايتها، تمكنت القوات البريطانية بقيادة اللنبي بعد هذه المعركة الكبرى على أرض غزة وبئر السبع من احتلال القدس بسهولة، بعد 100 عام ما زالت فلسطين محتلة بعد احتلال اليهود أرضها بدعم بريطاني غربي كامل، وإقامة دولتهم التي أسموها إسرائيل.

وبعد 100 عام، ما زالت تركيا البلد الإسلامي القوي والمتطور اقتصاديًّا تحت عين العاصفة الغربية، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية هذه المرة وليس بريطانيا، وتحت العداء الغربي وإسرائيل رغم العلاقات الدبلوماسية مع الأطراف المذكورة آنفًا، لكن ما فوق الطاولات لا يعكس ما تحته، ليس الغرب وإسرائيل فقط بل تعادي تركيا أيضًا، دول وممالك وإمارات عربية مسلمة كانت قد حاربت مع الإنجليز ضد تركيا قبل 100 عام، واليوم التاريخ يعيد نفسه، حيث يعملون ضد تركيا مع الأمريكيين والإسرائيليين، من المحزن جدًا أن دوليتين مسلمتين غير عربيتين هما تركيا وإيران باتتا تمثلان عائقًا أمام مشروع تصفية القضية الفلسطينية، أكثر من الجامعة العربية مجتمعة، التي بدأت تهيمن عليها السعودية التي تنسق مع إسرائيل تنسيقًا عالي المستوى، وحديث خطير جدًا عن صفقة سياسية سعودية- إسرائيلية ستطيح بالقضية الفلسطينية، وقد تطيح بالأردن ولبنان عن طريق حرب أهلية جديدة فيها.

احتلال بريطانيا مدينة القدس والمعركة ما قبل الأخيرة في فلسطين

هزمت الدولة العثمانية في الأراضي الفلسطينية أواخر عام 1917، حيث دخلت الجيوش البريطانية مدينة القدس بعد 400 عام من سيطرة العثمانيين عليها، كانت المعركة قبل الأخيرة التي خاضتها القوات العثمانية هي معركة القدس، التي استمرت 22 يومًا، دخل قائد القوات البريطانية إدموند اللنبي مدينة القدس في التاسع من ديسمبر (كانون الأول) 1917، وهو الذي لم يستطيع تمالك نفسه فقال: «اليوم انتهت الحروب الصليبية»، سيصرح بتصريح مماثل بعد 85 عامًا الرئيس الأمريكي عن «حملة صليبية» في حربه على أفغانستان والعراق، صرح بوتين عن «حرب مقدسة» في حربه الأخيرة في سوريا، الشعارات نفسها التي أطلقها بوش في العراق كان اللنبي قد أطلقها أواخر عام 1917، بعد الاحتلال البريطاني، حيث قال: «غاية الاحتلال البريطاني هي تحرير فلسطين من النير التركي وإنشاء حكومة وطنية حرة فيها»، يبدو أن التاريخ يعيد نفسه إعادة سخيفة للغاية، يقرأ أعداؤنا التاريخ جيدًا، ونحن لا نقرأ ولا نتعلم، صرح رئيس الوزراء البريطاني آنذاك لويد جورج بدايات عام 1918: «أن بريطانيا تعترف بحق فلسطين والعراق وسوريا والجزيرة العربية بالحرية والاستقلال وتكوين حكومات وطنية فيها» هي الشعارات نفسها التي اطلقت عند احتلال العراق وأفغانستان بعد الألفية الثانية، فيما صدر بيان مشترك فرنسي- بريطاني أيضًا في العام نفسه أنهما حاربا في الشرق من أجل تحرير العرب وإقامة حكومات وطنية من أهلها الوطنيين والأحرار، هي الشعارات التي يتم سماعها اليوم في ليبيا وسوريا واليمن، سيرسل آرثر جيمس بلفور صاحب وعد بلفور الشهير بإقامة وطن قومي ليهود في فلسطين رسالة للشريف حسين، يؤكد له فيها حرية العرب واستقلالهم، وتأكيد الوعود السابقة لهم بذلك، كالوعود الجوفاء التي ترسل للقادة العرب بحل القضية الفلسطينية مقابل الحرب على الإرهاب وإيران والعلاقة مع إسرائيل.

من صفرنيوس إلى حسين الحسيني وتسليم المفتاح

كان البطريرك المسيحي صفرنيوس قد سلم مفاتيح القدس لعمر بن الخطاب، سيتكرر المشهد بشكل عكسي، حيث سيخرج رئيس بلدية القدس آنذاك حسين سليم الحسيني لإعلان الاستسلام وتسليم المدينة إلى طلائع الكتيبة 219 البريطانية فوج لندن، وكان برفقة الحسيني أحمد شريف، وهو فلسطيني ومفتش الدرك العثماني، سيموت الحسيني بعد أسابيع من دخول الإنجليز المدينة، يبدو أن الرجل مات قهرًا، مُثلت هذه اللحظات الصعبة لسقوط القدس في مسلسل «أنا القدس» الذي ألفه وأداره وأخرجه المخرج الفلسطيني-السوري باسل الخطيب وشقيقه الفنان والمؤلف تليد، شارك في هذا العمل نخبة من الممثلين السوريين والمصريين والأردنيين، باسل هو نجل الشاعر الفلسطيني البعثي يوسف الخطيب الذي توفي ودفن في سوريا قبل أعوام، والذي تعود أصوله إلى بلدة دورا جنوب غرب الخليل، لباسل ولد وحيد اسمه مجيد مثل دور نزار قباني طفلًا.

معارك غزة الثلاث الكبرى.. عندما سقطت غزة سقطت القدس

سبق معركة القدس ثلاث معارك كبرى خاضتها القوات العثمانية ضد القوات البريطانية، في غزة وبئر السبع، قاتل مع القوات البريطانية فرق خيالة، وهجانة، ومدفعية، ومشاة أسترالية، ونيوزلاندية، وفرق هندية، ومصرية، وسفن حربية وطائرات استطلاع فرنسية، وقوات عربية تابعة للشريف حسين، كانت حدود هذه الجولة تصل قناة السويس، انتصرت تركيا في هذه الجولة الأولى من الحرب عام 1914، وفشلت فيها بريطانيا فشلًا ذريعًا، عام 1915 وصلت الجيوش العثمانية ضفاف قناة السويس بعد معركة رمانة التي قادها جمال باشا، لكنها وصلت منهكة وأصبحت فريسة سهلة اصطادتها السفن البريطانية وفتكت بها، حيث استشهد 1500 عسكري عثماني، استمرت هذه المعارك ثلاث سنوات منذ 1914، وفي نهاية عام 1916 لم يبق أي جندي تركي في حدود سيناء والعريش ووصلت القوات الإنجليزية رفح بدايات سنة 1917 وتعدتها لتصل خان يونس، وهي نهاية الجولة الثانية للحرب، لكن مع بداية عام 1917 ستبدأ جولة المعارك الأقسى والأصعب وسيكون مسرحها أرض غزة وبئر السبع، وهي حرب غزة الثالثة آنذاك، قاتل الجنود العثمانيون بشرف في معركة غزة الثالثة الكبرى، مات من تبقى منهم بالسم غدرًا، كانوا أتراكًا وعراقيين، أبيدت الحامية العثمانية بالكامل في هذه المعركة الأخيرة، قاد الحملات العسكرية العثمانية القائد العسكري أحمد جمال باشا الملقب بالسفاح وبالداغستاني وبالكبير، كان أحد زعماء جمعية الاتحاد والترقي المناوئة للسلطة العثمانيةـ وقتل على يد أرمني في مدينة تبليسي العاصمة الجورجية اليوم عام 1921.

مراسلات حسين- مكماهون

في أوج هذه المعارك بدأت المراسلات التي عرفت تاريخيًا بمراسلات «الشريف حسين- مكماهون» عام 1915، السير مكماهون هو الممثل الأعلى لملك بريطانيا في مصر، فيما تولى الحسين شرافة مكة بقرار من السلطان عبد الحميد، وبضغط من جمعية الاتحاد والترقي، كان جل المراسلات الحسينية- المكماهونية باستخدام السلطة الروحية والدينية للشريف حسين لصالح المملكة البريطانية، أو عدم استخدامها ضدها على أقل تقدير، استشعر الحسين أن قرارًا تركيًا قد اقترب لعزله؛ فأرسل ابنه فيصل لمقابلة الصدر الأعظم في الأستانة، وأثناء ذهابه توقف في دمشق التي تحولت إلى معقل للقوميين العرب، واستقصى عن إمكانية القيام بثورة ضد العثمانيين بمشاركة الجمعيات السرية العربية، سيكتشف جمال باشا، وستبدأ حملة اعتقالات وتحقيقات وتعذيب وإعدامات أشرف عليها بنفسه في بيروت.

لعب الشريف حسين قبل إعلانه ثورته على الحبلين؛ فكان يتلقى العطاءات النقدية الكبيرة من الجانبين التركي والبريطاني، كان الإنجليز يعطونه للحشد ضد الأتراك، فيما كان الأتراك يعطونه للحشد ضد الإنجليز، كان الإنجليز أكثر دهاءً وكسبوه لجانبهم، من أحد أسباب انهيار الدولة العثمانية وهزيمتها تفشي الفساد والرشاوى والفقر في المجتمعات العربية والتجنيد الإجباري، وانتهاج سياسات عنصرية تجاه العرب بعد صعود جمعية الاتحاد والترقي.

الثورة العربية الكبرى

في فجر العاشر من حزيران 1916 أطلق الشريف حسين طلقة واحدة من بندقيته، إيذانًا بانطلاق ما سيسمى لاحقًا «الثورة العربية الكبرى» ضد الأتراك، وبدعم إنجليزي كامل على رأسه الجاسوس الإنجليزي لورنس العرب، حيث تبع هذه الثورة الآلاف من رجال القبائل، وضباط وعسكريون عرب في الجيش العثماني، والتي سيصل صداها إلى جدة والطائف والمدينة، سرعان ما ستساندهم بريطانيا عسكريًّا جوًّا وبحرًّا وبرًّا وأرسلت بريطانيا جنودًا مصريين مسلمين عبر ميناء جدة؛ للسيطرة على مكة والطائف وسيطروا على ميناء رابغ وينبع بسهولة، وهكذا سيطر الأسطول البريطاني على ساحل شبه الجزيرة العربية المطل على البحر الأحمر، وصل لورنس العرب جدة واستقبله عبد الله بن الحسين إلا أن لورانس لم يستسغه، وفضل عليه أخاه فيصل الذي أصبح ضابط الاتصال والتنسيق بين البريطانيين وقوات والده الشريف حسين، استطاعت قوات الشريف الاستيلاء على ميناء العقبة الأردني، وتقدمت حتى وصلت دمشق بقيادة ولده الأمير فيصل الذي طمع في دمشق، سرعان ما أخلف الإنجليز وعودهم أمام الشريف، ودخلت قواتهم دمشق بناء على تفاهمات سايكس- بيكو، سيحدث أيضًا ما لا يطيب للشريف حسين، حيث سيستولي السعوديون بدعم من الكاب البريطاني في الهند الذي نسقوا معه على مدينة الطائف، مما أثار الذعر في مكة، استنجد الشريف بالإنجليز فخذلوه وأعلنوا حيادهم، فتخلى عن العرش لابنه علي، الذي هزمته القوات السعودية؛ فغادر إلى الهند ثم العراق ومات هناك، فيما فر الشريف من العقبة إلى البتراء واستقر هناك فترة إلى أن أبلغه ولده عبد الله نقلًا عن الإنجليز، أن وجوده يعرضه لخطر قتله من آل سعود؛ ففر إلى قبرص ومرض هنا، وعاد إلى عمان إلى أن توفي ودفن في القدس، سيؤسس ولده عبد الله إمارة شرق الأردن عام 1923 بدعم بريطانية ورعايتها الكاملة، لتتحول بعد عام 1946؛ أي عام الاستقلال، إلى المملكة الأردنية الهاشمية، التي تحكمها سلالة الشريف حسين إلى يومنا هذا.

معركة مجدو نهاية النهاية والمعركة الأخيرة في فلسطين

لكن معارك غزة الثلاثة ومعركة القدس لم تكن نهاية الدولة العثمانية في الأراضي الفلسطينية، فقد خاضت القوات العثمانية بعد عام من الاحتلال معركة صعبة وقاسية، وكانت خاتمة الوجود العثماني في الأراضي الفلسطينية والاحتلال البريطاني النهائي والحاسم لفلسطين في أكتوبر (تشرين الأول) 1918، أسماها العثمانيون معركة «سهل نابلس» فيما أسماها الإنجليز «معركة مجدو Mageddo»، اختيار الاسم ليس بريئًا أيضًا؛ فهو ليس بمعزل عن معركة «هار مجدو الكبرى» في الأساطير التوراتية في العهدين القديم والجديد، حيث تمثل هار مجدو في التيارات الأصولية المسيحية البروتستانتية، أو ما يعرفون بالمسيحية الصهيونية عقيدة تنبؤية دينية مهمة، حيث يتنبؤون بمعركة حاسمة ستحدث على هذه الأرض مجدو، بقيادة قوى الخير في العالم، حيث ستقود الولايات المتحدة حربًا ضد قوى الشر من المسلمين ومن معهم وهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل وخروج المسيح المنتظر؛ ليخلص العالم من الشرور، هي بمثابة الصفحة الأخيرة في تاريخ الحكم البشري وفق الكتاب المقدس، لهذا التيار الأصولي دور كبير في غزو أفغانستان والعراق عبر صقور الحزب الجمهوري الأمريكي، الذين يسمون المحافظين الجدد، للمسلمين قصة شبيهة لكنها مغايرة ومختلفة مكانيًا، حيث إن المسيح سيخرج في دمشق وتكون أرض الغوطة الدمشقية هي المعركة الحاسمة، لمجدو اسم كبير في التاريخ العسكري العالمي، حيث حدثت فيها أول معركة موصوفة في التاريخ بين جيش مصر بقيادة تحوتمس الثالث وتحالف المدن الكنعانية السورية عام 1468 قبل الميلاد، تزعم معركة مجدو من الكنعانيين وتحالف المدن السورية الأمير قادش.

قبل احتلال القدس بعام واحد، كانت فرنسا وبريطانيا قد اتفقتا في معاهدة سرية بينهما، عرفت باتفاقية سايكس- بيكو، نسبة إلى وزير خارجية البلدين آنذاك على تقاسم تركة الدولة العثمانية، التي كانت تلقب بالرجل المريض بعد هزيمتها، كانت الدولة العثمانية ضمن دول المحور في الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا وإيطاليا، حيث هزم المحور، كشفت الاتفاقية بعد الثورة البلشفية في روسيا عام 1917 على يد الثورة الروسية آنذاك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد