القيادة الناجحة، المعارضة الشريفة، الإعلام الحر، البرلمان والشرطة وشرفاء الجيش لكلٍّ كان دوره في إفشال المحاولة الانقلابية التي قام بها بعض المتمردين في الجيش التركي لكن، يبقى الشعب التركي المتحضر هو البطل في تلك المعركة.

إن ما حدث في تركيا منذ أيام قليلة ما هو إلا محاولة صارخة من قبل بعض ضباط الجيش وبعض القيادات فيه للاستيلاء على الحكم في البلاد وذلك لعرقلة المسار الديمقراطي الذي تنتهجه تركيا طيلة الأعوام الماضية، الأمر الذي اجتمعت جميع أطياف الشعب على رفضه.

إنه ما لبثت أن استطاعت المجموعات المتمردة في الجيش من السيطرة على بعض الأماكن الحيوية في البلاد مثل مطار أتاتورك الدولي أو حتى القناة الرسمية التركية وإعلان السيطرة على زمام الأمور في البلاد إلا وبادرت كثير من الصحف والقنوات العربية إعلان أنه قد تم الاستيلاء بشكل كامل على الحكم في تركيا من قبل الجيش، ومن ثم اعتقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وتعالت الهتافات الساخرة والأكاذيب هنا وهناك.

لكن كيف لتلك الأكاذيب أن تستمر؟ وكيف لهؤلاء الحاقدين الاستمرار في حقدهم؟ لقد  سارع الشعب التركي العظيم إلى إثبات عكس ذلك في غضون بضع ساعات، فقد استجاب الشعب التركي لنداء قائده ومن خلفه القادة السياسيون المؤيدون والمعارضون، فقد دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الشعب التركي إلى النزول إلى الشوارع والاعتصام في الميادين لمنع تقدم المجموعات المتمردة إلى الأماكن الحيوية في البلاد.

لقد ذاق الشعب التركي الذل والمهانة خلال حكم العسكر لهم بعد العديد من الانقلابات كان آخرها عام 1997، كما ذاق الحرية والرخاء والتقدم والازدهار وذلك خلال الحكم المدني لهم في فترة حكم حزب البناء والتنمية، فكيف لهم أن يقبلوا بحكم العسكر مجددًا؟

لقد كانت للتجارب التي خاضها الشعب التركي تحت حكم العسكر بعد كل انقلاب على الديمقراطية أثر كبير في وقوفهم ضد الانقلاب العسكري الفاشل -بفضلهم- هذه المرة.

لقد وقف الشعب التركي كله، قيادة نجحت في جني حب شعبها لها، معارضة لم تستغل الظروف التي تمر بها البلاد لصالحها بل ساندت الديمقراطية، وظهر ذلك جليًا في تصريحات رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض الذي قال إنه يرفض الانقلاب رفضًا تامًا، شرفاء الجيش الذين خرجوا بتصريحات تندد بالانقلاب، سياسيون كبار مثل الرئيس السابق عبد الله غُل أو رئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو الذين صرحوا منذ الساعات الأولى للمحاولة الفاشلة برفضهم التام للانقلاب ودعمهم للديمقراطية، وأخيرًا الشعب التركي صاحب نصيب الأسد في تلك المعركة، الذي خرج في كل الشوارع والميادين انتصارًا لنفسه ومستقبله ونجح في دحر الانقلاب، وسطر بنفسه تاريخًا يُحتذى به، تاريخًا ستظل الأجيال القادمة ليست فقط التركية تتعلم منه، فلقد أعطى الشعب التركي للعالم بأسره درسًا في احترام الديمقراطية الراقية.

فتحية إجلالٍ وتقدير لتركيا قيادةً ومعارضةً وشعبًا أبيًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد