كيف خدع واحد من أبناء التيار الأسلامي النظام العالمي ووصل إلى السلطة في واحدة من أهم البلاد الإسلامية، وكيف سمح له النظام العالمي بإنشاء دولة ذات كيان مستقل لاتدور في الفلك الأوروبي أو الأمريكي؟

كيف استطاع أن يروض الجيش وكيف سمح له الجيش بتعديل مواد الدستور التي تجعل للشعب وحده اليد الطولي في البلاد، وتحويله إلى أداة في يده يستخدمها في حماية الأمن القومي، ويبعدها عن الساحة السياسية.

تجربة أردوغان السياسية الأولى

تعود بداية القصة إلى العام 1994 عندما انتخب أردوغان عمدة لمدينة إسطنبول ونجح في خلال فترة بسيطة في حل مشكلات المواصلات والقمامة والسحابة السوداء الناتجة عن إستخدام الفحم في التدفئة، نجح أردوغان في حل كل هذه المشاكل، بالرغم من استلامه البلدية مديونة بأكثر من ملياري دولار، إلا أن المحكمة الدستورية أيدت قرار بسجنه بعد إنشاده شعر ذي ميول إسلامية عام 1998، وتم سجنه في عام 1999، وأحس أردوغان أن الوقت لم يحن لنشر الفكر الإسلامي الجديد.

 تطور فكر أردوغان السياسي

عمل أردوغان أولًا على تأجيل معركة الهوية إلي حين إتمام بناء الجبهة الداخلية ونزع أظافر الدولة العميقة التي أنشأها الجيش من العلمانيين لحماية العلمانية من أي تهديد إسلامي محتمل، وذلك إدراكًا منه أن الموضوع معقد خصوصًا بعد فشل تجارب أربكان في السلطة عام 1974 حينما كان نائبًا لرئيس الوزراء وتدخل عسكريا لنجدة المسلمون القبارصة فتم ابعاده عن الحكم، وفترة 1997 حينما حاول إنشاء السوق الإسلامية المشتركة ونجح في تأسيس مجموعة الدول الثماني الإسلامية الكبرى، فتم إرغامه على تقديم استقالته، من قبل مجلس الأمن القومي الخاضع للجيش.

تركيا قبل أردوغان

تتابعت الأحداث بعد ذلك حتي حدث إضطراب سياسي كبير إثر مشادة بين رئيس الوزراء بولنت اجاويد ورئيس الجمهورية أحمد نجدت سيزر،حيث وصف سيزر الوضع في البلاد بأنه خطير جدا ، وحينها أنهار سوق المال التركي يوم 21 فبراير عام 2001 المعروف بالأربعاء الأسود في تاريخ تركيا، حيث إنهارت الليرة التركية، وبعدها بشهر فقدت ما يقرب من نصف قيمتها، وهبطت بورصة اسطنبول هبوطًا كبيرًا، مما دفع البنك المركزي التركي إلى تعزيز الأسواق المالية بمبالغ كبيرة، تراوحت بين مليارين، وثلاثة مليارات دولار.وحدث الانهيار الصناعي والمالي تباعًا.

إنشاء حزب العدالة والتنمية

الفكرة الأساسية لحزب العدالة تتلخص في التخلي عن الخطاب الديني الذي التزمه حزب الفضيلة بقيادة أربكان، وأن يستخدم خطابًا يتفق مع الواقع التركي والعالمي أيضًا.

وبناء علي ذلك سمح بضم تيار منشق عن كل من حزب الطريق القويم وحزب الوطن الأم (وهي أحزاب يمينية ليبرالية)، كما تحالف سياسيًا مع تيار إسلامي لا يعمل في السياسة، وهو تيار فتح الله جولن له شعبية كبيرة في الشارع التركي، مكنه من الفوز في انتخابات 2002 بـ 34 % من الأصوات في أول انتخابات، وقد ساعد قانون حاجز الـ 10% الذي وضعه (كنعان إفرين قائد انقلاب 1980) في منع كثير من الأحزاب من الوصول إلى البرلمان فحاز على 63 % من مقاعد البرلمان وشكل الحكومة وحده، (حيث يمنع القانون الأحزاب التي حازت على أقل من 10% من دخول البرلمان وتذهب هذه النسبة إلى الحزب الأكبر في الأصوات بموجب القانون الانتخابي التركي).

سياسة صفر مشاكل

لم يشأ أردوغان التصادم مع العلمانيين أو القوميين الأتراك فعمل على الدمج بين العلمانية والإسلام، كما عمل على الدمج بين التاريخ العثماني والإرث الأتاتوركي، حتى لا يصطدم بجيل تم تجريفه ونزع كل مظاهر الإسلام منه، ثم بدأ ينشء الجيل الجديد بنشر مدارس الأئمة والخطباء ومدارس تعليم القرآن بالتوازي مع الحد من التدخل العلماني في شئون التعليم حتى يخرج جيل يستطيع تقبل الأفكار الإسلامية بسهولة.

نجح أردوغان في بداية حكمة في سياسة صفر مشاكل مع دول الجوار حتي يتفرغ لترتيب الوضع الإقتصادي والسياسي الداخلي وشرع في بناء اقتصاد قوي، وحدثت في عهد الحزب طفرة اقتصادية هائلة قفزت بالبلاد إلى مصاف الدول الصناعية الكبري في غضون سنوات قليلة، في حين تم تأجيل معركة الهوية إلى حين استقرار الحكم وتحسن الاقتصاد وتغيير المزاج الجماهيري من علماني لإسلامي حتى يستوعب الأتراك الخطاب الجديد؛ لأنه يدرك أن نيران الغضب ستنهال عليه من الخارج والداخل.

تركيا والاتحاد الأوروبي (نقطة التحول)

ظل حلم الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي يراود النخب الحاكمة في تركيا منذ زمن أتاتورك، حيث كانت تركيا عضوًا منتسبًا مشاركًا في الاتحاد منذ عام 1963، ثم تقدمت بطلب رسمي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في أبريل (نيسان) 1987، أعقب ذلك بتوقيع اتفاقية الاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوروبي عام 1995، كما تم الاعتراف بها رسميًا كمرشح للعضوية الكاملة للاتحاد الأوروبي في قمة هلسنكي للمجلس الأوروبي عام 1999.

الاستخدام السياسي لحلم الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

استغل أردوغان بذكاء شديد الرغبة التارخية للأتراك بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي (أو ما عرف بمعايير كوبنهاجن)، وأول هذه المعايير هو تقليص النفوذ السياسي للجيش، وبالطبع لم يستطع الجيش معارضة أردوغان في طريقه نحو الحلم الأوروبي الذي يعد مطلبًا قوميًا أتاتوركيا في الأساس، ثم هو مطلب النُخب العلمانية بمختلف أطيافها، وأخيرًا هو أيضًا مطلب شعبي من أجل حياة اقتصادية أكثر رفاهية (في ظل الأزمة الإقتصادية الطاحنة التي كادت تعصف باقتصاد البلاد).

حزمة قوانين الاتحاد الأوروبي

بدأ أردوغان في إعداد البيت من الداخل وبدأ في تعديلات دستورية عرفت بحزمة تعديلات الاتحاد الأوروبي (تم الترويج لها بهذا الاسم) وتضمنت حزمة من 7 قوانين أعدها حزب العدالة والتنمية عام 2003 بمجرد وصوله إلى السلطة، حيث شرع في نزع صلاحيات مجلس الأمن القومي وتحويله إلى مجلس إستشاري لمجلس الوزراء (انطلاقًا من أن المجلس هو الحامي للنظام الدستوري، والقائم على توجيه القيم الوطنية نحو المبادئ الأتاتوركية)، حيث كانت جميع الانقلابات العسكرية تخرج بناء علي توصيات من مجلس الأمن القومي، كما أخضع المؤسسة العسكرية وكوادرها للجهاز القومي للمحاسبات، وتم إلغاء عقوبة الإعدام بما يتوافق مع معايير الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

وأتبعت تلك التعديلات بتعديلات عام 2004، والتي تضمنت حظر التصريحات الصحفية للعسكريين ومنعهم من عضوية اتحاد الإذاعة والتلفزيون، كما تضمنت إلغاء نفوذهم في المجلس الأعلى للتعليم.

وفي تعديلات عام 2010 تم إجراء تعديل يتعلق بالمادة 125 من الدستور، والتي مكنت الجيش، وبمعاونة مجلس الشورى العسكري، منذ انقلاب 1960، وحتى الآن، من فصل أكثر من 230 جنرال، وآلاف الضباط، والعناصر من الجيش (وكانت أغلب حالات الطرد بسبب ميول تلك العناصر الإسلاميّة السياسية) كما تم تعديل المادّة 15، ليتاح محاكمة الانقلابيين على الرأي العامّ، وبما يعني إمكانيّة محاكمة قادة انقلاب 12 سبتمبر (أيلول) عام 1980 وهو ماتم بعد ذلك.

فخ المحكمة الدستورية

بعد إصدار قانون يسمح بارتداء الحجاب في الجامعات عام 2008، تعرض الحزب لمحاولة الحل عن طريق المحكمة الدستورية ذات التوجه العلماني المعادي للإسلام، وبعد نجاح الحزب من الإفلات من هذا الفخ ، عمل على زيادة أعضاء المحكمة الدستورية الي 17 يعنين رئيس الجمهورية 14 منهم والثلاثة الباقيين يعنون من قبل البرلمان، وجعل رأيها استشاريًا، وبذلك حيد دور المحكمة ومنعها من إفساد الحياة السياسية.

فخ الانقلابات العسكرية

تمكن أردوغان من تكوين قوات من الشرطة الخاصة عام 2003 بحجة محاربة الإرهاب كما أعلن، ولكن السبب الحقيقي كان حماية الدولة من تهديدات الانقلابات العسكرية التي تهدد بقاء أي حزب في السلطة، ونجح في القبض على عدة مجموعات كانت تحاول الانقلاب عليه في أعوام 2003 (قضية المطرقة) وعام 2007 (تنظيم أرغينيكون) ومحاولة محاكمة مدير المخابرات في فبراير (شباط) 2012 أثناء خضوع أردوغان لتدخل جراحي، مرورًا بفبركة قضية الفساد المالي للحكومة عبر التنظيم الموازي، وأخيرًا تمكنت القوات الخاصة بمساعدة الشعب التركي من إفشال الإنقلاب العسكري الذي وقع الصيف الماضي.

فخ انتخابات يونيو 2015

كان أردوغان يطمح في الحصول على 400 مقعد في انتخابات 2015 لتعديل الدستور مباشرة للتحول إلى النظام الرئاسي الذي يضمن الإستقرار السياسي للتحليق بعيدًا عن الفلك الأوروبي والأمريكي والنهوض كقوة إسلامية عالمية لتحقيق أحلام أربكان في السوق الإسلامية المشتركة والتعاون بين الدول الإسلامية مرة أخرى والوقوف كند للدول الغربية وتحسب له ألف حساب، وهو ما تخشاه الدوائر السياسية الغربية.

وبدأت الخطة من شمال سوريا، حيث أدي الدعم الأمريكي للأكراد في شمال سوريا لتحرير مدينة عين العرب (كوباني) عام 2014 ذات الأغلبية الكردية، وبالرغم من ضغط أكراد تركيا علي أردوغان لمساعدة أكراد سوريا، رفض دخول الحرب دون تطهير الجبهة الداخلية؛ مما أدى إلى غضب نسبة كبيرة من الأكراد في الجنوب التركي، استغلتها أمريكا في انتخابات 2015 لخلق حالة من النفور لدى الأكراد، وصرفهم عن دعم حزب العدالة والتنمية (حيث كانت معظم أصوات الأكراد تذهب إلى حزب العدالة والتنمية خصوصًا بعد مباحثات السلام مع الأكراد 2005)، واتجهوا لدعم حزب الشعوب الكردي ليتخطي حاجز ال 10% اللازمة لدخوله البرلمان ، وبذلك لا يحصل أردوغان على نسبة 50% التي تؤهله لتشكيل الحكومة. وهو ما حدث فعلًا وحصل الحزب علي 41% فقط وفشل في تشكيل الحكومة منفردًا لحصوله على 258 مقعد من أصل 550.

تلقي أردوغان وحزبه الإشارة وبدأ في تغيير الخطاب السياسي للشعب التركي وبدأ في مهاجمة أمريكا التي تدعم الحزب الديمقراطي السوري الكردي، وهو ما قربه أكثر من القوميين الأتراك.
داخليًا قام الحزب بإعادة هيكلة المرشحين في مؤتمره الآخير ورفع قيد الترشح عن النواب لأكثر من ثلاث مرات للبرلمان (بشكل مؤقت) حتى يتاح الترشح لمن قاموا بهندسة النهضة التركية وبمن يثق فيهم المواطن التركي أمثال علي باباجان وبشير أطالاي، حيث حرم ذلك القيد 70% من الوزراء والنواب في دخول المعترك الانتخابي للمرة الرابعة واضطر للدفع بالصف الثاني والثالث في الحزب غير المعروف جماهيريًا وإعلاميًا؛ مما أدى بالتأثير على نسبة الحزب في الانتخابات.

وكان رد الفعل في انتخابات الإعادة نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 قويًا جدًا، حيث جذب أردوغان شرائح من الشعب لم تشارك في الانتخابات السابقة، وصوت له جزء كبير من القوميين الأتراك الرافضين لفكرة السلام مع الأكراد؛ مما أوصل النسبة إلى 50% من الأصوات وحصل على 317 مقعد من أصل 550.

فشل الانقلاب العسكري والعقاب السياسي للداعمين

أدى فشل الانقلاب العسكري الأخير المدعوم من الغرب إلى فشل كل مساعي الغرب في تغيير النظام في تركيا، واستغل أردوغان الانقلاب سياسيا حيث سارع بتطهير الجبهة الداخلية وأعد تعديلات دستورية تقفز بالبلاد إلى النظام الرئاسي وسارع بعمل تحالف مع روسيا (مقابل وقف الحرب في سوريا ودعمها في تطهير شمال سوريا من الأكراد وداعش).

هذا التحالف الروسي التركي يضمن مزيد من سيطرة روسيا وتركيا علي خطوط الغاز التي تغذي أوروبا بالطاقة، وذلك لأن مشروع السيل التركي الذي يحمل الغاز من روسيا إلى شرق ووسط أوروبا يضعف من نفوذ أمريكا في أوروبا (خصوصًا بعد خروج بريطانيا العدو الأكبر لروسيا وتركيا من الاتحاد الأوروبي) ويزيد من الهيمنة الروسية التركية علي الملفات المهمة في الساحة الأوروبية، وتم ذلك التحالف ردًا على الدعم الأمريكي الأوروبي لمحاولة الانقلاب الأخيرة وعدم تسليم الضباط الهاربين إلى اليونان في أعقاب عملية الانقلاب الأخيرة.

التحالف مع حزب الحركة القومية المعادي للاتحاد

بالرغم من أن حزب الحركة القومية لديه 40 نائبًا فقط في البرلمان، إلا أن التحالف معه يضمن مرور التعديلات الدستورية من قاعة البرلمان (بأغلبية 347 نائب) إلى صناديق الانتخاب، حيث يشترط موافقة 330 نائب لطرح التعديلات للاستفتاء.

كما أن الحملة الأخيرة في شمال سوريا للقضاء على الإرهاب الكردي يدعمها كثيرًا من القوميين الأتراك، حيث يرفض حزب الحركة القومية الإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي، وبالرغم من التحول الكبير لأردوغان في سياساته السابقة والعدول عن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، إلا أن العداء الأوروبي الواضح لتركيا يحفز القوميين الأتراك في التصويت بنعم في التعديلات الدستورية القادمة في أبريل (نيسان) 2017.

الخلاف التركي الأوروبي الأخير

وربما يفسر ذلك حالة العداء الأوروبي الأخيرة ومنع وزير الخارجية ووزيرة الأسرة التركية من دخول هولندا للقاء الجالية التركية وعرض وجهة نظر الأتراك في التعديلات التركية لمحاولة استقطاب أصوات 4 ملايين ناخب تركب يعيشون في البلاد الأوروبية ،كما منعت بلجيكا مؤتمرًا لحزب الحركة القومية المتحالف مع أردوغان في بروكسل، وقبل ذلك منع الرئيس أردوغان من الحديث عبر الأقمار الصناعية إلى حشد انتخابي في ألمانيا.

لعل المناورات السياسية التي قام بها أردوغان في الخمسة عشر عام الماضية نجحت حتى الآن من الإفلات من كل الحيل والمكائد والدسائس التي يقوم بها الغرب والداخل العلماني، ترى هل يصمد أردوغان حتى النهاية أم يطيح به أعداؤه من حلبة المصارعة السياسية؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد