يقدم الإسلام السياسي في تركيا نفسه بديلًا واقعيًّا نحو خلق نموذج للدولة الإسلامية، لكن المطابقة بين الفكر والواقع يكشف جليًّا معضلة التجسيد الواقعي لهذه الدولة المنشودة، وذلك لما تفرضه متطلبات الحداثة وسطوة النماذج الفكرية الغربية حول ترسيخ مفاهيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ومنذ أواخر الثمانينيات كان السؤال يطرح بإلحاح أشد بالنسبة لتركيا، حيث كانت المخاوف التي طرحها الإستراتيجيون حول الخطر الإسلامي في تركيا، تبرز في ثلاث جوانب:

الجانب الأول، يتعلق باحتمال نشوء تحد مباشر للنظام العلماني التركي، لا يتم بالتحول الدستوري التقليدي بل قد يفضي إلى استخدام العنف السياسي للوصول إلى الحكم.

الجانب الثاني، أن يشكل الإسلاميون تحديًا انتخابيًّا، للهيمنة على الحياة السياسية.

أما الجانب الثالث، يتمثل في تنامي توجه السياسة الإسلامية في تركيا، ما يعمق التأثير الخفي للإسلاميين في طبيعة النظام السياسي التركي، ويهدد مبادئ العلمانية في الحكم وقيم الديمقراطية.

فكان أمام هذه الضغوط الخارجية وخصوصيات المجتمع التركي، أن عمل الإسلاميون الأتراك على الانتقال من مرحلة «المدرسة الإخوانية» التي نادت إلى الدولة الإسلامية وتطبيق أحكام الشريعة، إلى مرحلة يصفها حزب العدالة والتنمية بـ«الديمقراطية المحافظة» التي تفصل من ناحية المسجد والسياسة، وتحاول من ناحية ثانية تأسيس «تجربة اليمين الإسلامي الديمقراطي المحافظ»، على غرار تجارب الأحزاب المسيحية الديمقراطية اليمنية المحافظة، بالتالي عملت تركيا على رفع شعار «العلمانية المؤمنة»، حلًّا وسطيًّا للهروب من الاتصاف بالإسلامية ولإيجاد هوية خارجية للحزب، يسهل تداولها وتسويقها عند الآخرين، واشتغل الفكر السياسي الإسلامي التركي على الانتقال من الانشغال والانغماس بقضايا الهوية إلى الانخراط في قضايا الخدمات، وبذلك تم تحويل المسار العام للتيار الإسلامي من مسار البعد الحضاري ومسائل الهوية والثقافة إلى مسار سياسات الخدمات في بناء نموذج دولة العدل والرفاه.

إن تجربة حزب العدالة والتنمية في الحكم منذ عام 2002، قد استطاعت أن تقدم نموذجًا للحكم المتميز، الذي يقوم على ثلاث قيم أساسية وهي الديمقراطية والعلمانية والإسلام، وذلك ما جعله يشكل اهتمامًا دوليًّا وإقليميًّا، بحيث أخذ الأمريكيون منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 يبحثون عن نموذج «ديمقراطي إسلامي معتدل» يصلح أن يكون نموذجًا قابلًا للتعميم على منطقة الشرق الأوسط وفي هذا الإطار أشار بوش الابن إلى أن تركيا خير من يقوم بهذا الدور فقال:«أقدر وأثمن عاليًّا النموذج الذي تقدمه دولتكم عن الكيفية التي يمكن بها أن تكون دولة مسلمة تؤمن بقيم الديمقراطية، حكم القانون والحرية… بما يؤهلها لأن تكون نموذجًا للعالم الإسلامي»، أما الأوربيون يرون في النموذج التركي عبر تجربة «حزب العدالة والتنمية» نموذجًا للإصلاح والانفتاح والاعتدال في ظل نظام علماني، بينما يرى الإسلاميون، ولا سيما في الشرق الأوسط، في النموذج التركي للحكم تجربة ناجحة يمكن أن يأخذ بها باقي الإسلاميين في بناء نموذج الدولة على أسس من الاعتدال الديني والبراجماتية.

النموذج التركي يعد دروسًا في التاريخ والسياسة، لوضع الأسس الصحيحة في بناء الدولة الحديثة، المحافظة لهويتها وثقافتها الإسلامية:

1 – يمثل النموذج التركي نموذجًا للإسلاميين لمعرفة كيف يتعاملون مع الأوضاع الداخلية في بلدانهم من خلال نهج الواقعية البراجماتية والاعتدال.

2- يمثل النموذج الذي تبحث الولايات المتحدة الأمريكية على تعميم تجربته في العالم الإسلامي والعربي.

3 – لقد شكل النموذج التركي نموذجًا لقدرة الهوية الإسلامية على التكييف وتقدير القيم الأساسية في المجتمع من حرية وحكم القانون، وعدالة وإصلاح وشفافية التسيير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد