في كل يوم يتصاعد ويتعاظم الدور التركي في المنطقة ليشكل خطرًا على نفوذ المشروع الإمبريالي الأمريكي  التي تتخذ من دولة الكيان الصهيوني مخلب قط في المحيط العربي، وفي حوض البحر المتوسط؛ لإبقاء الوضع كما هو عليه قبل مائة عام من الخضوع والتبعية والانبطاح للسياسة الاستعمارية، إلا أن تركيا التي تتقدم اقتصاديًّا وعسكريًّا بوتيرة سريعة جدًّا أصبحت تمثل مشروعًا واعدًا وملهمًا لكل من دول آسيا والمحيط الإسلامي في دول شمال أفريقيا، التي يتوسع فيها النفوذ التركي بشكل مرعب ومقلق للقوى المناهضة لها كدولة إسلامية سنية، تقوم على أساس ديمقراطي، وتتصاعد فيها المبادئ الإسلامية في كل مناحي حياتها، وتنحسر المبادئ الأتاتوركية العلمانية التي غيبتها عن محيطها الإسلامي عقودًا طويلة، فلم يترك النظام التركي الحاكم جزءًا أو قطاعًا في الدولة إلا وترك فيه بصمة قوية، بل إن النظام التركي بث رسائل عديدة للجميع في الداخل والخارج للأتراك وغير الأتراك، عبر المسلسلات الملحمية والدراما التركية التي غزت العالم، وأصبحت تمثل الأعلى مشاهدة بعد الدراما الأمريكية، وصارت أعمال مثل «وادي الذئاب»، و«السلطان عبد الحميد»، و«أرطغرل الغازي»، و«قيامة عثمان» علامات فنية فارقة في عهد النظام التركي الحالي.

وعلى الجانب الآخر، فإن حزب العدالة والتنمية قد أعلن وبكل وضوح أن المشروع التركي والرؤية التي يتبناها قد بدأت منذ تأسيسه في العام 2001 وسوف تصل إلى 2071؛ أي إن هذا الأمر لن يقف عند عدم ترشح رموز الحزب الحاليين، وأبرزهم الطيب أردوغان، بل إن الحزب قد أعد أجيالًا وصفوفًا من القيادات، لديهم خطة ورؤية وأجندة يسيرون وفقها، ولن يثنيهم عن المضي فيها وتحقيقها إلا فناؤهم والدلائل على هذه أكثر من أن تعد.

تركيا التي أصبحت الأقوى اقتصاديًّا في مجموعة العشرين بواقع أرقام وإحصائيات معدل النمو الاقتصادي والذي بلغ 7.4% طبقًا لتقارير مجموعة قمة العشرين والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

تركيا التي أصبحت تصنع حوالي 70% من السلاح النوعي الذي بدأ يتفوق على المنتج الروسي الأقرب لها بالمنطقة والمنافس لها، وأضحت مشروعات التصنيع العسكري التركية طَموحة، وتتضمن مثلًا إنتاج طائرات من دون طيار، ومقاتلات نفاثة ومروحيات عمودية، مما سيؤدي أيضًا إلى خفض نفقات تركيا من استيراد السلاح بنسبة تصل إلى 30% واحتلت كل من شركة أسيلسان التركية وشركة «تي إيه آي» وروكيتسان مراكز متقدمة بين أكبر 100 شركة لصناعة الدفاع على مستوى العالم.

كما أن المشروع الحضاري والفكري التركي، والتفوق والتغلغل الحضاري الذي بلغ في المراوغة والتلون نوعًا معًا، والكمون لفترة تقارب العشر سنوات لتربية الأمة وتوعيتها، وإيقاظ المجد والعز في صدورها أسفر عن نتيجة باهرة وقطاف لتلك الثمرة التي حُصدت في إفشال الشعب التركي للمخطط الإجرامي الانقلابي في15 يوليو ( تموز) 2016 أكسبت الحزب الحاكم سيفًا لحصد مناوئيه في الداخل والخارج.

وباتت تركيا تمثل صداعًا مزمنًا في رأس الإدارة الأمريكية، وبات تصاعد قوتها خطرًا لا بد من القضاء عليه، فكل يوم تتكشف دسائس ومؤامرات تحاك ضد تركيا لتقويضها وردعها؛ لكي ترجع إلى حظيرة الطاعة مرة أخرى، فمرة يحاولون تعطيل مسيرتها من خلال تمويل التنظيمات الإرهابية الكردية pkk وpyd داخل التراب التركي وفي سوريا، عبر المليشيات المسلحة ومنها (قسد)، ودعم ما يسمي بفكرة إنشاء الدولة الكردية لتفتيت تركيا وتقسيمها، وتارة أخرى من خلال التدخل الروسي في مناطق النفوذ التركي لمحاصرتها عسكريًّا، وتارة أخرى عبر الانقضاض عليها من حديقتها الخلفية في العراق، وفي كل مرة تتخذ تركيا خطوات نوعية تتعلق بالوجود والبقاء، وحماية الأمن القومي لها، عبر إطلاق عمليات عسكرية خطيرة، مثل درع الفرات ونبع السلام.

بل ابتعدت إلى أكثر من ذلك في حوض البحر المتوسط في  ليبيا التي يود تحالف الفرنسيين والروس جعلها مركزًا للانقضاض عليها.

ولم تكف المحاولات العسكرية بل انتقلت إلى مستوى ضرب الاقتصاد التركي تارة أخرى، عبر التلاعب في سوق صرف العملة التركية، وكذلك تمويل الأحزاب العلمانية التركية لإقساط حكومة العدالة والتنمية.

وللأسف فإن فاتورة إسقاط النظام التركي قد دفعتها دول عربية كبيرة بأوامر أمريكية صريحة ومباشرة؛ خوفًا علي العروش الواهية من استلهام شعوب المنطقة التجربة الأردوغانية والمطالبة بالحرية والعدالة والمساواة، ولعل الربيع العربي الذي اندلعت شرارته في نهاية 2010، والذي دعمته تركيا  وكانت بمثابة العراب لهذه الثورات، جعل هذا الأمر محورًا أساسيًّا للعداء العربي التركي.

بيد أن فرص تركيا في الصعود الصاروخي لقيادة العالم الإسلامي وريادته من جديد كبيرة جدًّا ومرتبة ومنسقة، ومتوالية في ترابط وتتابع مستمر ومخطط لها باحترافية شديدة، وأصبحت تركيا تمثل أخطبوطًا وماردًا يريد ابتلاع المنطقة من جديد، عبر قوة عسكرية ضاربة تنتشر من خلال إنشاء قواعد وإرسال جنود في 20 نقطة حول العالم، ومنها مناطق حيوية، مثل قبرص، وسوريا، والعراق، وقطر، والصومال، وأذربيجان، وعقد مذكرات تفاهم ومعاهدات دفاع مشترك مع ليبيا، وحتي إمارة الكويت.

بيد أن النظام التركي الذي أرسل مجموعة من الطائرات المسيرة، وفرقاطتين، وثلاث طائرات إف 16، وعددًا ليس  قليلًا من الخبراء الأتراك دعمًا لحكومة الوفاق الشرعية في ليبيا لمواجهة الجنرال المتقاعد خليفة حفتر، المدعوم من الإمارات، والسعودية، ومصر، وفرنسا، وروسيا، قد قضت على أحلامه بالسيطرة على البلاد، وجعلته يتقهقر ويرجع وينحسر في آخر معاقل له بمدينة ترهونة، والتي تتعرض لقصف تركي من الفرقاطات التركية الموجودة بالبحر المتوسط، وكذلك الطائرات المسيرة بيرقدار وأقنجي الجديدة، كل ذلك في أسبوع واحد، وكبدته هو وداعميه خسائر مهولة في العتاد، حيث تم تدمير ست أنظمة دفاع روسية (بانتسير) وأكثر، تبلغ تكلفة الواحدة حوالي50 مليون دولار، بل غنمت قوات الوفاق مخازن أسلحة كبيرة بعد انسحاب ميليشيات حفتر، وذلك في خلال يومين اثنين، فما بال النظام التركي لو تدخل بقوة أكثر من ذلك، بالإضافة إلى أنه تتشابك مصالحه أكثر في المنطقة مع كل من النظام التونسي، الذي تكشفت مؤامرة انقلابية عليه كانت مركزها قاعدة الوطية الجوية بعد عثور (MIT) المخابرات التركية على وثائق خطيرة جدًّا، تكشف عن استعدادات وتنسيقات لضرب النظام التونسي، وكذلك فإن  الجزائر أيضًا  لا تستسيغ وجود نظام انقلابي عسكري في الشمال الأفريقي.

كذلك فإن رفض المغرب عروضًا مغرية لدعم حفتر مقابل استثمارات ضخمة كانت ستقدمها دولة الإمارات العربية، جعل موقف حفتر وداعميه سيئًا للغاية، ومع كل يوم تنفض فيه القبائل والقرى والمدن الموالية للجنرال الفاشل؛ مما يعجل بسقوطه ومشروعه، وانتصار الثورة الليبية على قوى الثورة المضادة.

لقد أصبحت تركيا قوى ملهمة في المنطقة، وما فتئ مسئوليها من تكرار أن تركيا الحديثة أقوى بكثير من تركيا العثمانية، وأن المؤامرات التي حيكت من ذي قبل على السلطان عبد الحميد الثاني لن تنجح مع أردوغان.

فهل تنجح تركيا في العودة مرة أخرى  كما كانت في صدر الدولة العثمانية أيام سلاطينها الأقوياء؟ أم أنها تدعي حبًّا للعدل والخير وما هي إلا قوة احتلال كما يرسم الإعلام العربي عبر نوافذه المطلة على بيوتنا صباح مساء؟

هذا ما ستكشفه الأيام الحبالى بالأحداث الجسام في أيامنا القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العودة, تركيا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد