يمكن استخدام معايير محددة لتحليل الحالة، وتشير إلى كسب تركيا للجولة، كما يمكن استخدام معايير أخرى تشير إلى أن الكسب كان من نصيب روسيا والنظام السوري.

إن قراءة كهذه تستلزم إطلالة واسعة على كل المعطيات، واستحضارًا دقيقًا لجوانبها المختلفة، ليتسنى الوصول لتوليفة صحيحة حول حقيقة النتائج اللحظية، والمآلات المستقبلية لهذه الجولة التصعيدية غير المسبوقة.

كان هدف روسيا والنظام – منذ بداية التصعيد منذ أشهر طويلة – إحكام السيطرة على محافظة إدلب، أسوة بغيرها من المناطق التي بدأ النظام باستعادتها منذ العام 2016، لكن من الواضح أن اتفاق وقف إطلاق النار المبرم يؤكد على فشلهما في تحقيق الهدف كليًا، وإن استطاعتا تحقيق تقدم جزئي ملموس على الأرض.

في المقابل يدل الاتفاق على أن مطالب تركيا في الرد على تحرك روسيا والنظام لم تتحقق بالطريقة التي أرادتها، فهي من جهة منعت استعادة روسيا والنظام لإدلب، ولكنها لم تستطع إلزامهما بالعودة لخطوط الاتفاق السابق، سوتشي 2018. ولذلك فإن عمر هذا الاتفاق لن يطول، وسيتحين كل طرف الفرصة، وسيعد العدة لتحسين شروط صدامه مع الطرف الآخر مستقبلًا.

وفي المحصلة سيكون الموقف التركي المستقبلي في حال تجدد الصدام أكثر راحة وقدرة على الحسم لسببين:

السبب الأول: ستقوم تركيا باستخلاص العبر من تجربة استخدامها للقوة في مواجهة النظام، ومزايا قيامها بدور الفاعل الحقيقي على الأرض، ذلك الذي منحها قوة كبيرة في ميدان التفاوض مع الروس، وتوظيف عامل القوة بطريقة أفضل في الجولات القادمة.

السبب الثاني: أن إدلب بالنسبة لتركيا تعتبر قضية بالغة الحساسية، وهي ليست كذلك بالنسبة للروس، وعندها فإن لعبة عض الأصابع التركية الروسية حول إدلب ستنتهي على الأرجح لصالح تركيا، لا لأنها الأقوى عسكريًا، بل لأنها مصيرية لتركيا دون روسيا، وهذا يجعل موسكو لا تضحي بعلاقاتها الإستراتيجية مع تركيا لأجل قضية ليست مصيرية بالنسبة لها.

يمكن استنتاج ذلك من خلال رصد التغير في الموقف الروسي من لقاء الزعيمين ما قبل وما بعد السابع والعشرين من فبراير (شباط)، كان الموقف الروسي المعلن قبل توجيه الضربة الكبيرة للجنود الأتراك في التاريخ المشار إليه، أنه لا يوجد في جدول أعمال الرئيس بوتين لقاء الرئيس أردوغان، وكان الأتراك من جهتهم يصرحون بقرب لقاء الزعيمين، بطريقة كانت تؤكد على أن الروس متحررون من أية ظروف قاهرة تجبرهم على اللقاء قبل تحقيق هدف السيطرة على إدلب، فيما كانت تشير من جهة أخرى إلى شح الخيارات، وضيق البدائل أمام الأتراك.

لكن بعد الرد التركي الحاسم على النظام بعد استهدافه للجنود الأتراك، والذي كبده خسائر فادحة وغير متوقعة في الأرواح والعتاد، وفاجأ المتابعين والمراقبين، أعلنت موسكو عن لقاء بين الزعيمين، في إشارة إلى أن الوقت قد حان لوقف الاندفاعة التركية الساحقة في مواجهة النظام السوري.

كان من شأن استمرار تلك المواجهة وبنفس الوتيرة أن يلحق أضرارًا فادحة بالنظام من جهة، وبروسيا من جهة أخرى؛ كونها لم تبد أي رد فعل تجاه الهجوم التركي.

وفقًا لمعطيات اللحظة الراهنة، فإنه لا يمكن القول إن أحد الفريقين قد فاز بالضربة القاضية، في الوقت الذي سجل فيه كل منهما نقاطًا ما لصالحه.

ولكن عند التدقيق في الكيفية التي تطورت فيها تفاعلات الجولة التصعيدية، نجد أن الموقف الروسي قد تراجع بوصفه فاعلًا رئيسًا وضامنًا في معادلة الصراع، كونه من بادر بالهجوم وتوقف عند حدود لا يتجاوزها بسبب التدخل التركي. فيما تقدم الأتراك خطوة كبيرة في معادلة الصراع؛ لأنهم انتقلوا من مجرد ضامن إلى فاعل حقيقي يضرب في الميدان بقوة رهيبة، وبدا قادرًا على قلب الطاولة في وجوه الجميع. وهذا يؤكد بحد ذاته على أن المكاسب التركية وهي ذات مغزى إستراتيجي واضح تتفوق على دلالة سيطرة النظام على أجزاء من منطقة إدلب التي يدور حولها الصراع.

إن تحولًا مهمًا كهذا يؤثر بطريقة فاعلة على موازين قوى الصراع الذي لم ينتهِ، ولن يستطيع الاتفاق الحالي إخماد ناره مرة وإلى الأبد. يعزز ما جرى حتى اللحظة مكانة تركيا في المعادلة السورية، ويهيئ الأسباب والظروف أمامها لتلعب دورًا أكثر قوة، وأبعد تاثيرًا في جولات الصراع في المستقبل المنظور وما بعده.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد