كانت الليلة الماضية ليلة عصيبة بكل المقاييس، مرت على الأمة التركية، ومن بعدها الأمة العربية والإسلامية، لما تمثله تركيا لهم من تجربة ناجحة للحكم النابع من إرادة الشعب، والمحافظ على قيمه الأصيلة.

مرّت ساعات الليلة الماضية بطيئة على الناس، وهم يتساءلون فيما بينهم، هل يمكن أن يحدث انقلاب عسكري جديد؟ في بلد عرف الرفاهية بعد طول حرمان، وذاق طعم الحرية من بعد كبت طويل. كيف يمكن أن يفكر العسكريون أن ينقلبوا على حكومة جلبت لهم الكرامة بعدما كانوا يعيشون في بلدٍ ذليل للغرب؟ يناضل من أجل لقمة عيشه. كيف سولت لنفسها حفنة من قادة الجيش، باعوا أنفسهم لأعداء الأمة، ليضعوا نهاية لمسيرة تركيا نحو المجد الذي ترنو له؟

لكنَّ الذي فاجأ الجميع أكثر من ذلك، هو هذا التمسك العجيب والشديد للشعب التركي، بتجربته الديمقراطية وقيادته الحالية. فخرجت الجموع للشوارع، تلبية لنداء رئيسهم أردوغان بالملايين، ووقفوا أمام الدبابات، محاولين ثنيها عن السيطرة على البلد، في مشهد نادر الحدوث بالعالم.

لقد أبهر الشعب التركي بعمله هذا العالم بتمسكهم بقيادتهم، ومحاربتهم من أجل ديمقراطيتهم، كما يجعلنا عاجزين عن فهم سر العلاقة الروحية القوية التي تربطهم بشخص رئيسهم أردوغان. وكان لهذا الشعب الدور الحاسم في إفشال الانقلاب.

لا أريد أن أخوض بتفاصيل محاولة الانقلاب الفاشلة، فقد كُتب فيها الكثير. ولكن الذي لفت انتباهي هو مواقف الأطراف الدولية، والعربية بشكل خاص، إزاء تلك المحاولة الانقلابية الفاشلة، وكيف فضحت حقيقتهم. فقد افتضح المنافقين بنفاقهم، وافتضح الشرفاء بشرفهم، حتى تمايز الطرفان.

فما أن بدأت تتوالى الأخبار الأولى على وقوع محاولة الانقلاب في أنقرة، حتى خرجت علينا وسائل الإعلام العربي والغربي، وهي تصف الأمور بتركيا قد انتهت لصالح الانقلابيين، وأنهم سيطروا على مقاليد الحكم بتركيا تمامًا.

والناس كانوا في بادئ الأمر في حيرة من أمرهم كيف يتعاملون مع هذا الأمر، حتى جاء خطاب قصير لا يتجاوز ثوانيَ قليلة من رئيسهم أردوغان، يدعوهم للخروج إلى الميادين لمنع الانقلابيين من تحقيق أغراضهم، حتى استفاق الناس من ذهولهم ملبين النداء، لتمتلئ بهم الشوارع والميادين، في عرس جماهيري منقطع النظير وبشهادة الجميع. وبدأت الحرب بين الدبابات وأيادي الناس المجردة، ولم تلبث سوى ساعات قليلة حتى حُسم الصراع، لصالح تلك الأيادي البيضاء.

لقد أعطتنا تلك المحاولة الانقلابية الفاشلة درسًا في كيفية أن تجعل الحكومة من الشعب ظهيرًا لها، لا أن تجعل من آلة الجيش والقوى الأمنية حامية لها، كما تفعل كل الأنظمة العربية.

أما الدرس الأهم لنا نحن العرب، فقد كشف لنا هذا الانقلاب حجم كراهية الأنظمة العربية العميلة والمتسلطة على رقاب شعوبها، للنظام التركي ولشخص رئيسها أردوغان. وكيف تنظر بعين الكراهية والمقت الشديد لتجربة تركيا الحديثة، خشية على أنظمتها أن ترنو لتطبيق تجربة الأتراك في بلدانها.

لقد افتضح نظام السيسي وهو يأمر آلة الإعلام بالتطبيل للانقلابيين، وهو يصوت ضد إصدار قرار إدانة من مجلس الأمن الدولي للتنديد بالانقلاب، بل مما يثير السخرية أن حكومة الأسد تطلب من السوريين العودة لسوريا حفاظًا على حياتهم، وهل هرب السوريون من وطنهم إلا خشية من بطشك الوحشي يا بشار؟

أما أمراء العربان، فلسان حالهم يتكلم بفضائياتهم المسمومة وهي تبث الأكاذيب تلو الأكاذيب، على سيطرة الانقلابيين على تركيا.

بل وصل الأمر إلى فاقدي إرادتهم من الساسة العراقيين، أن يشمتوا بأردوغان وبالحكومة التركية على افتراض أن الانقلاب قد نجح، بل وينسجون من خيالهم قصص أن الانقلابيين يأمرون بسحب القوات التركية من شكال العراق، وإنَّ الانقلابيين يعتقلون جرحى داعش بالمستشفيات التركية وغيرها من الأكاذيب التي تنقصها الحبكة الجيدة لتنطلي على الآخرين. ناهيك عن الدول العربية الأخرى وهي تنشر بوسائلها الإعلامية من الأخبار الكاذبة، ما أن لو سمع به الانقلابيون أنفسهم تلك الأخبار، لصدقوها ولكان دفعة معنوية كبيرة لهم. مما يجعلنا وبحسبة بسيطة، نفهم حقيقة هذا التحالف العربي مع الغرب ضد تركيا، وضد قيادتها الوطنية. فهذه أمريكا تعلن تأييدها للانقلابيين من خلال بيان لها منشور، والتي سارعت لسحبه لتلافي الحرج الذي يمكن أن تقع فيه بعد فشل الانقلاب، وجاء جون كيري يتباكى ويعلن أن أمريكا ليس لها علاقة بالتدبير للانقلاب، وليس غريبًا أن تغلق تركيا قاعدة إنجرلك الأمريكية بوجه الطيران الأمريكي، حيث ليس من المستبعد أن تستخدمها لصالح الانقلابيين، وتعلن ألمانيا من جانبها قلقها على جنودها الألمان لكونهم موجودين في وحدات عسكرية مشتركة بالانقلاب، فهل وجود الجنود الألمان في تلك الوحدات كان مصادفة؟ وما هو تفسير غلق السفارة الفرنسية في أنقرة، قبل أيام فقط من حدوث المحاولة الانقلابية؟

وإلى أن تنجلي الأمور، فسوف تُفضح مواقف الدول والأفراد أكثر فأكثر، وتتبين حقيقة المنافقين من الصادقين في موافقهم. بل سيكون هذا الانقلاب جرعة مناعة في جسد الأتراك ضد الانقلابيين، ونأمل أن هذه المحاولة هي آخر محاولة تشهدها تركيا، وأن تركيا ستنطلق لتحقيق أهدافها بعيدة المدى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد