«من جهته دعا رئيس الوزراء التركي، الدول الأوروبية إلى عدم التدخل في الشؤون الداخلية والسياسة التركية، وألا يكونوا طرفًا فيها.

وقال في كلمة ألقاها أمام تجمع جماهيري غربي تركيا «إن أوروبا انضمت إلى قافلة الرافضين للتعديلات الدستورية».

وأضاف أن «ألمانيا ومن بعدها هولندا باتتا من الرافضين للتعديلات الدستورية، ويحظران ويمنعان وزراءنا ونوابنا من لقاء مغتربينا ومواطنينا هناك، ولكننا لا نتدخل في انتخاباتكم وسياستكم الداخلية»».

تواترت علينا الأنباء من شتى المواقع الرقمية والصحفية حول ما يحدث الآن من صراع كان مكتومًا تحت السطح بين «تركيا» وبعض بلدان الاتحاد الأوروبي. صراع اشتعل فتيله مؤخرًا في صورة تصريحات نارية وانقلب لإجراءات عنيفة وصل بعضها لمنع طائرة وزير خارجية تركيا من الهبوط في هولندا.

لعل التساؤل الذي يطرح نفسه ويلحّ على الذهن؛ هل هو صراع وليد اللحظة؟ وهل تسير السياسات الخارجية الأوروبية وفق الهوى ومشيئة القيادات الشخصية كما يحدث لدينا في الشرق الأوسط؟ّ

أم أن ما يحدث الآن هو استمرار بشكل أو آخر لنمط ثقافي وسياسي يمتد لمئات السنين؟ أم خروج للدور المرسوم لتركيا كبلطجي بالمنطقة ومساعد للتمكين الغربي؟ فيُراد أن يعود لرشده وأن يظل محصورًا في إطار فُرض عليه ولن يخرج منه أو عنه؟!

لا شك أنها مأساة كبيرة لمن لا يملك أن يفصل بين واقعه وبين الدور الدرامي المرسوم له والمنوط به ممارسته.

كذا تتجلى قمة المأساة والملهاة في ذات الوقت، عندما يخلط المرء بين وهم يعيشه وواقع يحيط به وينكره.

تركيا كانت ولا تزال نتوءًا في الجسد الأوروبي، لها دور فُرض عليها وارتضته لنفسها، هي ليست بحليف كامل كباقي دول القارة، بل شبه حليف يصل الشرق بالغرب، مسرحًا كبيرًا للنشاطات الاستخباراتية الغربية، كما أنها أداة عسكرية ورجل شرطي يستخدمه الغرب وقت الحاجة وعون للتفتيت والتقسيم.

والدور التركي مرسوم بدقة، لا يُسمح لها بالخروج عليه من قريب أو بعيد ويراها الغرب قوة غاشمة كثور يمتلك قدرًا كبيرًا من العضلات دون عقل يسيّره فكانت الضرورة بكبح جماح هذا الثور.

تركيا الدولة لن تكون يومًا ما بلدًا أوروبيًا كامل الاندماج بين دول الاتحاد الأوروبي، فاختلاف العقيدة الرئيسية، والإرث الدموي والثقافي خلقا حالة من التباين والفجوة التي اتسعت فعلًا بحيث استعصى الخرق على الراقع.

لذا وكلما راودتها نفسها، والنفس بطبيعتها أمّارة بالسوء أن تتجاوز الدول، ردّها بعض دول القارة خاسرة على عقبيها.

نعود للمشهد العالمي العبثي الدائر الآن، إذ نرى مهزلة لم تحدث مع دولة من قبل أن تُمنع طائرة وزير خارجية دولة يُفترض فرضًا أن لها ثقلًا في المنطقة وأنها أقرب للحليف كما يُروّج، أن تمنع من النزول في زيارة رسمية لدولة أوروبية  (هولندا) ثم تتصاعد التصريحات النارية بين الدولتين، ليس تعبيرًا عن حجم صراع سياسي بينهما بقدر ما رآه البعض درسًا يتم تلقينه للتذكير بطبيعة الحجم والوجود والدور التركي.

تفاقمت الأزمة سريعًا، ونظن ونعلم أن بعض الظن ليس إثمًا دائمًا أن النار كانت جذوة متقدة تحت رماد السياسة.

فوراء الأكمة ما وراءها، ومنها نظرة مواطني الاتحاد الأوروبي وحكامه السلبية تجاه تركيا على أنها دولة إسلامية أنهكت أوروبا فترةً طويلة وأعاقت تقدمها أيام الدولة العثمانية.

الشاهد أن تركيا ستظل محصورة في نطاق لا ولن تُخلفه وسيكون قدرها أن تسير في ربوع القارة العجوز قائلة ما وسعتها قدرتها على الصراخ «لا مساس».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد