يقول ماركس: «لا يبدأ ملكوت الحرية بالظهور إلا باختفاء العمل الذي تمليه الضرورة والاعتبارات الدنيوية. فهو إذن، وبطبيعة الأشياء، خارج نطاق الإنتاج المادي الفعلي. ولا يمكن للحرية في هذا المجال إلا أن تقوم على التفاعل مع الطبيعة، بحيث يتحكم الإنسان فيها بدلًا أن يذعن لها إذعانه لقوى الطبيعة العمياء».

حبوًا على طريقة الانقلابيين من الأسلاف، سارعت آليات للجيش التركي بالنزول إلى ميادين البلاد واحتلالها، والسيطرة على المنشآت الحيوية للبلاد بغية «إسقاط نظام السلطان»، في ليلة عصيبة كاد القمر أن يصبح بدرًا مظلمًا، ففي ساعة مبكرة من مساء الجمعة كاد الإعلان أن يصدر، وكادت الديمقراطية أن تنحل. وبطريقة كلاسيكية خُيل إلى مهندسي المحاولة الانقلابية أن ينتزعوا زمام السلطة من المدنيين، فحاصروا مطار أتاتورك، وقطعوا طريق آسيا إلى أوروبا كقوات احتلال تفترس عدوها وعصوا أمر شعبهم.

كاد المخطط رغم انكشاف طريقته القديمة في زمن التواصل الاجتماعي أن ينجح، لكن عوامل الفشل كانت غالبة، فالتجربة المريرة للحكم العسكريّ منعت خصوم السياسة من المجازفة هذه المرة، ورغم صراع القوى العلمانية والوطنية مع «التيار الإسلامي»، إلا أنها تفضل مرارته على سموم الحكم العسكري، فالمرض العابر أهون على المريض من المرض المزمن، وجاء رد النخبة بكل اتجاهاتها مشرّفًا وسريعًا بقطع الطريق أمام إزاحة المكسبات الديمقراطية للجمهورية التركية، ذلك أن الشعب الذي قدّم أصواته لهذه النخبة لا يحبّذ العودة إلى الوراء، متخليًا ليس عن المكاسب الديمقراطية وحدها، بل يضاف إليها الرفاه الاقتصادي الذي تشهده البلاد، ذلك أن الكلمة للشعب ها هنا. ومن خلال متابعة الأحداث يتّضح للمتابعين أن قادة الانقلاب يعيشون حياة رجال المخابرات بعيدًا عن التطوُّر، لعلهم درسوا طرق الانقلاب في الكتب وكان تطبيقها أواخر القرن الماضي، يومها لم يكن للتواصل الاجتماعي دورٌ، بل لم تكن له قائمة بعد، وكانت الخطة رغم إحكامها مطبقة وشبه مضمونة لو أنها سبقت تنفيذها عشر سنوات. ورغم فصاحة كتب الانقلاب إلا أن معظمها يعود إلى دور وسائل الإعلام التقليدية في بسط سيطرة الانقلاب، وهو ما فسّر جنوح القوى للسيطرة على مبنى التلفزيون الرسمي لإذاعة -البيان رقم واحد- على الحشود التي اجتمعت تلبيةً للواجب القوميّ في الحفاظ على الوطن، وكانت إطلالة الرئيس التركي ذات علامة فارقة، فهي طمأنت محبيه أنه ما يزال موكلًا من الشعب بمهامه، وحرّضت خصومه على تدارك الأزمة، وتنحية الخلافات، والانتصار للوطن.

ومن المعلوم أنّ أي انقلاب عسكري لا يحظى بتأييد حتى مخطّطيه، فالشرط الأول عدم تبنّي أي حركة تمرّد إلاّ بعد التحقق من نجاحها، وتشهد الوثائق المفرج عنها لوكالة الاستخبارات الأمريكية إبان فترة الانقلابات السرية في أمريكا الجنوبية بهذا، حيث قدمّت وكالة الاستخبارات الأمريكية في سبعينيات القرن الماضي الدعم لمخطط الانقلاب على الرئيس أليندي في تشيلي، ولمّا نجح الانقلاب أيّدته الولايات المتحدة علانية. بواقع الحال لا تعتبر الولايات المتحدة محلّ اتهام أمام الحكومة التركية الحليفة على شطرين، فهي عضو في حلف شمال الأطلسي، وحليف في الحرب السورية الدائرة رحاها منذ سنين قبالة الحدود التركية، لكن النظرة المجرّة نحو التحركات التي سبقت المحاولة الانقلابية من تقارب مع روسيا وإعادة العلاقات مع إسرائيل وعودة النزاع مع الأكراد، بالإضافة إلى التنسيق الكبير مع المملكة العربية السعودية، والسعي إلى ما يسمّى حلفًا سنيًّا إسلاميًّا في مواجهة إيران، قد أقلق الولايات المتحدة من تنامي نفوذ قوى جديدة في الشرق الأوسط تتنازع مع القوى التقليدية.

وقد طرح تحرّك الجيش التركي تساؤلات الكثيرين عن مدى ديمومته، وهل سيتبع هذا التحرك الفاشل تحركًا أكثر حزمًا يستفيد من أخطاء التحرك الأول، وينقضُّ على الحكم بسهولة هذه المرة؟ وهل ستكون تركيا خاصرة رخوة للإرهاب؟ هنا يعود الدور للقوى الوطنية التركية والشعب في صدّ أيّ محاولة لإسقاط الديمقراطية، صحيح أنّ البلاد ترزح تحت صدمة ما حدث إلّا أنّ القوى الشرعية التركية متمثلةً بالمخلصين من قوات الجيش والشرطة، بالتضامن مع الحكومة والقوى السياسية مجتمعة والمثقّفين، تتحمّل المسؤولية من خلال الانضبات وعدم الانجرار وراء الأكاذيب التي يسوّقها بعض المنتفعين. وتجدر الإشارة إلى استثمار التنظيمات الإرهابية عادةً فترة الأزمات، ما يتيح الفرصة لتنظيمات كالدولة الإسلامية المعروفة بداعش، وحزب العمال الكردستاني؛ لاقتناص الفرصة وتسجيل نقاط على حساب الدولة التركية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تركيا
عرض التعليقات
تحميل المزيد