منذ ظهور الرئيس رجب طيب أردوغان في المشهد السياسي التركي وهو يقيم الدنيا ويقعدها باتخاذه سياسات جريئة لا تؤثر على تركيا فقط بل تؤثر أيضًا على الكثير من الدول التي تربطها مصالح بتركيا أو دول عادية ليس بينها والدولة التركية أي مصالح، فرجل تركيا القوي لا يتوانى عن تنفيذ أي سياسات يراها مناسبة لمصلحة شعبه.

شكلت المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا نقطة تحول في سياسات أردوغان حيث اتخد منهجًا أقل مرونة في مواجهة معارضيه بالإضافة إلى تطبيقه حالة الطوارئ في تركيا الأمر الذي أثار حنق الكثير من المعارضين، الأمر الذي دفعهم لتصعيد لهجتهم تجاه أردوغان، الأمر الذي قاد الأخير لإعلانه عن انتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة كان من أهدافها أيضًا إرساء قواعد النظام الرئاسي الجديد والذي يمنح الرئيس مزيدًا من الصلاحيات ويحول منصب رئيس الجمهورية من مجرد منصب شرفي إلى منصب بصلاحيات واسعة.

لطالما شكلت علمانية تركيا خطًا لا يمكن المساس به على الإطلاق، فمذ أسسها الرئيس الأول للجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك ظل النظام العلماني هو الشكل الأوحد لنمط الحياة والحكم في تركيا، مدعّمًا بحراسة الجيش التركي ودعم الأحزاب التي تنتهج النهج الأتاتوركي. ظل هذا النظام صامدًا إلى أن أتى رئيس الوزراء التركي السابق عدنان مندريس الذي حاول تغيير بعض معالمه فما كان من حراس العلمانية إلا شنقه فمات مختنقًا بأحلامه ورؤيته التي كان ينوي تطبيقها في تركيا، شكل إعدام مندريس رادعًا لكل من يحاول تغيير شكل الحكم العلماني في تركيا هذا الشكل الذي ظل صامدًا حتى قدوم الرئيس أردوغان.

شكلت تجربة أردوغان في الحكم تغييرًا كبيرًا، فالرجل الذي تم سجنه سابقًا لأنه أنشد شعرًا يحمل إشارات إسلامية حيث شبه خنادق الجنود بالمساجد وخوذاتهم بالمآذن، أتى إلى الحكم حاملًا معه الأيديولوجية الإسلامية واجه تحديًا كبيرًا في إرساء قواعد لنظام حكم إسلامي في تركيا العلمانية، وبالرغم من تمسك الرجل بعلمانية تركيا الحديثة إلا أنه لطالما واجه انتقادات واسعة من حراس العلمانية بوصفه مهددًا للنظام العلماني.

فور نجاح الرئيس أردوغان في الانتخابات الرئاسية سارعت الدولة السودانية في مباركة هذا النجاح والتهليل له على مستوى رئاسة الجمهورية والحزب الحاكم والتجمعات الإسلامية وتجمعات حركات المجتمع المدني بل إن الصفحات التي أُفردت لتهنئة أردوغان في الصحف السودانية تكاد تنافس تلك التي أفردت له في الصحف التركية.

تعاني حركات الإسلام السياسي من متلازمة الفشل، فبعد فشل تجربتي حكم الإسلاميين في مصر والسودان شكل نجاح أردوغان مصدر فخر كبير لتلك الحركات والتيارات الإسلامية حيث وجدوا فيه صانع الأمجاد والبطولات والنجاحات التي فشلوا في تحقيقها، فهنا في السودان يُنظر للرئيس أردوغان بأنه نموذج للحكم الإسلامي الرشيد بكل جوانبه الاقتصادية والسياسية والعسكرية.

فما حققه أردوغان طوال سنوات حكمه القصيرة مقارنة بما يقارب الثلاثين عامًا من حكم الحركة الإسلامية في السودان يعزز من فكرة فشل التيارات الإسلامية في الحكم في بلدان ونجاحها في بلدان أخرى، آخذين في الاعتبار كل الظروف التي توفرت لكل من هذه الحركات،فما توفر من خضوع تام لكل مفاصل الدولة في السودان للحركة الإسلامية منذ توليها الحكم في العام 1989 حتى الآن لو يتوفر للرئيس أردوغان الذي واجه معارضة شرسة من الأحزاب العلمانية ومن الجيش وقوميين كانوا يرون في نجاح الرجل ذي الخلفية الإسلامية تهديدًا للتوجه العلماني.

يجب أن يعلم قادتنا هنا أن نجاح أردوغان لنفسه ولتركيا وحدها، وأن لا ينسبوا هذا النجاح لأنفسهم كمن درس في مدرسة واحدة مع أشهر طبيب وأشهر مهندس، أما هو فقد صار أشهر فاشل، لذلك تجده دائمًا يقول: أترون ذلك الطبيب المشهور لقد درسنا في مدرسة واحدة، وذاك المهندس كان يجلس بجواري وقرأنا من كتاب واحد، ولكنه نسي أن نجاح هؤلاء يفيدهم فقط ولا يغير من حقيقة كونه ما زال أشهر فاشل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد