منذ سنوات ليست بقليلة، انتشرت في قنواتنا العربية مسلسلات وأعمال درامية عديدة كانت أصولها من دول أمريكا الجنوبية أو إسبانية، أعمال اخترقت ذهن المتفرج العربي الذي بات مدمنًا عليها بل ارتأى فيها ملجأ ومهربًا من كل المشاكل التي تحيط به سواء أكانت اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو عاطفية أو حتى جنسية، فقد كانت كل هذه المسلسلات قائمة على ثنائيات قيمية غريبة وليست معهودة في المجتمعات العربية والإسلامية على وجه الخصوص.

حقبة زمنية كانت بداياتها أواخر الثمانينيات والتسعينيات وحتى بداية الألفية الثانية زخرت فيها قنواتنا بمسلسلات لاتينية وغربية بالأساس مثل «كساندرا» «ماريا كلارا» «ماري تشوي» وغيرها من الأعمال التي علقت أبطالها وبطلاتها في أذهان المتفرج العربي إلى حدود سنة 2004، التي كانت الانطلاقة الفعلية الجديدة لأيادي ناعمة ابتكرت أعمالا درامية تختلف عن العربية واللاتينية، موجة قدمت من إسطنبول حاملة في طياتها قيمًا وتجارب وقصصًا كان وما يزال المتفرج العربي حديث عهد بها كانت البداية مع مسلسل «نور» تلك القصة التي امتدت على حلقات تجاوزت التسعين كل الأحداث بدت مشوقة ممتعة ومطولة وكأنها كانت مصممة لشد الجمهور العربي، وتمكنت هذه الأيادي الناعمة من دس السم في كوب العسل، فبين معسول الكلام الذي يردد على لسان الأبطال وبين مشاهدهم الحميمية التي تكاد تخدش فعلا حياء المتفرج سم يقتل القيم العربية ويشوه معاني العلاقة العاطفية «القويمة» والحب الطاهر الذي استحال عملة نادرة.

إيرادات ضخمة وإنتاج وفير

تنتج شركات الإنتاج التركية حوالي 100 عمل درامي سنويًا، يصدر جزء منها إلى حوالي 85 مليون متفرج عربي ومتابع لهذا النوع من المسلسلات، منها 50 ألف امرأة عربية وتنقسم بقية النسبة بين الرجال وفئة المراهقين وقد استطاع مخرجو ومنتجو هذه الأعمال تحقيق أرباح طائلة تطورت وتضاعفت حوالي خمس مرات منذ سنة 2004 لتصل إلى 50.000 ألف دولار. وقد ساهمت هذه الإنتاجية الضخمة في تحقيق نسب مرتفعة في قطاع السياحية التركية حيث بلغت 74% منها 27% سياح عرب ومن أمريكا الجنوبية في الفترة 2010 -2014 مما يؤكد أن الأعمال الفنية لها تأثير دعائي قوي على الأماكن التي تصور فيها، ونذكر مثال الأغنية اللاتينية «ديسباسيتو» للمغني اللاتيني «لويس فونسي» التي تم تصويرها في «بورتو ريكو» والتي حققت هي الأخرى أرقامًا عالية في قطاع السياحة آنذاك بسبب التأثير الدعائي والضجة التي أحدثتها هذه الأغنية.

المراهق والمرأة المتزوجة.. الفئة الأكثر تأثرًا

تعتبر فترة المراهقة الفترة الأكثر حساسية في حياة أي شخص، لأنها الفترة التي تُبنى فيها شخصية الفتاة أو الفتى على حد سواء كما أنها تحمل تغيرات سيكولوجية وفيزيولوجية مهمة قد تتأثر بكل ما يحيط بها سواء أكان المحيط سلبيًا أو إيجابيًا، ولهذا السبب يزيد اليوم اهتمام الفتيات خصوصًا المراهقات بهذه الأعمال التي تزخر بالمشاهد الحميمية والعنيفة وأحيانًا الخيالية، غالبًا ما يكون أبطالها فارس أحلام غني ذو نسب وثراء صاحب شركة والبطلة مجرد فتاة بسيطة توقع في شراك حبها صاحب الشركة الذي لا يتوانى عن إغراقها بالهدايا الثمينة والسفرات والمفاجآت التي لا تتحقق غالبًا على أرض الواقع، وهي مجرد تقنيات درامية لرفع نسب المشاهدة ليس إلا، مما يخلق لدى المراهقات أفكارًا جديدة قد لا تتماشى مع المجتمعات العربية ويسهل لديهن أن يتخيلن أنفسهن مكان بطلات هذه المسلسلات لتتسرب لهن قيم غير التي تربين عليها.

تعتبر أيضًا النساء المتزوجات فئة أخرى تتأثر بهذه الأعمال، فغالبًا ما تكثر المشاكل الزوجية نتيجة لإهمال بعض النساء شؤونهن المنزلية بسبب متابعتهن الدؤوبة لهذه المسلسلات، فضلًا عن حالات الطلاق التي كانت خير دليل على ما تفعله هذه المسلسلات بمجتمعاتنا وبنسائنا.

الأزياء والديكور والأكسسوارات وغيرها من التفاصيل الصغيرة التي تعرض على شاشة التلفاز في هذه الأعمال قد تخلق مشكلات زوجية، لأنها في بعض الأحيان تثقل كاهل الزوج في صورة ما إذا كان العائل الوحيد للأسرة.

ليس من القويم التجني على الدراما التركية فقد أنتجت أيضًا مسلسلات عديدة كانت تنقل وقائع حقيقية كمعاناة الأكراد الأتراك من الإرهابيين «في الأرض الطيبة» وغيرها من الأعمال التي تريد التأريخ والتوثيق للحضارة التركية الجديدة، بيد أنها لم تفرز للمشاهد العربي غير المسلسلات العاطفية وكأنها تعلم جيدًا طباع هذا الجمهور الذي يعاني من الحياء في الكشف عما يختلج نفسه من مشاعر وعن النقص العاطفي والجنسي الذي يعانيه، هذه الثغرات التي ربما لا يوليها الباحثون والدارسون العرب أهمية في أبحاثهم ربما نتيجة للبيئات التي يعيشون فيها أو لصعوبة التعامل مع الجمهور العربي عمومًا، ولكن الأمر المؤكد اليوم هو أن منتجي هذه الدراما أصبحوا يرغبون بشكل فعلي في استعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات