منذ تسلم دونالد ترامب مقاليد الأمور في البيت الأبيض، ودول العالم المصنفة حليفةً للولايات المتحدة الأمريكية، أو خصمًا لها تعيش توترات غير مسبوقة في علاقتها مع أمريكا، إذ ليس هناك دولة فاعلة في المجريات والمتغيرات الدولية، إلا واصطدمت بتحجر إدارة ترامب، والتي تتحرك وفق رؤية أمريكية جديدة، تُسمي من خلالها مصالح أمريكا، وتتجاهل مصالح وأمن حلفائها وخصومها، وحتى أمن الجزيرة العالمية.

وبالتأكيد ظاهرة ترامب في أمريكا، تعتبر لغزًا عجز الكثير من المحللين عن حله، إذ أنه ما وعد بشيء جنوني، بأسلوب بعيد عن العرف الدبلوماسي إلا وأوفى به، هاجم الحلفاء قبل الخصوم، وضرب بمصالح الحلفاء عرض الحائط، مما تسبب في إرباك قواعد اللعب في السياسة الدولية.

وتتصدر قائمة الحلفاء المتضررين من سلوكيات إدارة ترامب، دول الاتحاد الأوروبي، وكذلك جمهورية تركيا، والتي تعتبر من أهم وأقدم حلفائها في منطقة الشرق الأوسط، حيث يلاحظ في الأيام القليلة الماضية، تعيش العلاقات التركية الأمريكية حالة من التوتر والفتور الشديد، حتى فرضت كل من أنقرة وواشنطن عقوبات ضد شخصيات في إدارة كلا البلدين.

وبالطبع تأزم العلاقات التركية – الأمريكية بينما كان يصب في مصالح بعض الفاعلين الدوليين كروسيا والصين، هناك بعض القوى العالمية قلقة مما يجري في العلاقات التركية الأمريكية، ويأتي الاتحاد الأوروبي على رأس قائمة الأطراف القلقة من المتغير الجاري بين أنقرة وواشنطن.

بجانب قلق بعض دول الاتحاد الأوروبي كألمانيا وفرنسا وغيرها من الدول، هناك قوى أمريكية داخلية أيضًا تظهر انزعاجها من تصرفات وسياسة ترامب حيال الحلفاء وخصوصًا تركيا، حيث تعتقد هذه القوى بأن تأزيم إدارة ترامب العلاقات التركية الأمريكية، يدفع أنقرة إلى البحث عن حلفاء جدد، تعتبرهم واشنطن خصومًا لها كالروس والصينيين.

وبالفعل ما كانت تخشاه هذه القوى قد وقع، حيث يلاحظ بأن أنقرة بدأت تدير ظهرها لأمريكا والغرب، وبدأت في نسج علاقات مع قوى الشرق، أي مع روسيا والصين، وخصوصًا في المجالات الاقتصادية دخلت بكين على الخط، حيث أرسل ما يقارب الستين مليارًا صينيًا من أجل البحث عن فرص الاستثمار بتركيا، وهذا ما يسبب قلقًا لأمريكا ودول الاتحاد الأوروبي وخصوصاً ألمانيا، والتي تعد صاحبة أكبر تبادل تجاري مع تركيا، لأنه وفي حال دخول الصين السوق التركي ستنافس الشركات الألمانية والأوروبية، وهذه تأتي في مقدمة تداعيات الأزمة التركية الأمريكية على الدول والشركات الأوروبية.

وبالتأكيد لا يشك أحد بأن تأزم العلاقات التركية الأمريكية، له آثاره السلبية على الاقتصاد التركي، ومنذ أن تفاقمت وتيرة الأزمة وبدأت إدارة ترامب تفرض عقوبات وضرائب جمركية على الصادرات التركية لأمريكا، وتوعدها بتفيذ عقوبات اقتصادية على أنقرة، من أجل إثنائها عن تنفيذ بعض القرارات، ولكن تعنت تركيا، وتصعيد الإدارة الأمريكية من الأزمة من المتوقع أن يفاقمها، وهذا ما قد يتسبب في أضرار اقتصادية على تركيا.

والأضرار المترتبة من التصعيد الأمريكي، لن يكون محدودًا على الاقتصاد التركي فحسب، إنما تأثرت الأسواق والبنوك الأوروبية، وحتى سوق البورصات الأمريكية، من تراجع قيمة العملة التركية في الأيام الماضية، وبالتالي من أجل إنقاذ الأوضاع الاقتصادية في تركيا، قامت بعض الشخصيات الأوروبية، على رأسها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، بتصريحات تؤكد بأن قوة الاقتصاد التركي تصب في مصالح الدول الأوروبية.

والدافع الحقيقي للتصريحات أعلاه، هو ما تقوم به تركيا من تأمين الجبهة الشرقية لأوروبا، وخصوصا في ملف اللاجئين، حيث تستضيف تركيا ما يزيد عن الثلاث مليون لاجئ في أراضيها، ووجود هذا العدد من اللاجئين، له تكلفته المالية على تركيا، وفي حال تأزم وضعها الاقتصادي بفعل الأزمة مع أمريكا، ستطالب تركيا الدول الأوروبية بمشاطرة الأعباء المالية لمصروفات استضافة اللاجئين، وفي حال تجاهلها نداء أنقرة، ستجبر هي الأخرى الى ترك المجال مفتوحًا لانتقالهم إلى أوروبا، مما سيؤثر على حالة الانسجام القائمة بين دول القارة، وأيضًا مستقبل بعض السياسيين وعلى رأسهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والتي تراجعت شعبيتها إثر قرار فتحها أبواب ألمانيا للاجئين.

وبناءً على ما تقدم حالة التأزم في العلاقات التركية الأمريكية، أضرارها ليست منحصرة على طرفي الأزمة، أي واشنطن وأنقرة، إنما تداعياتها ستلحق بدول القارة العجوز على الصعد الأمنية، والاقتصادية والسياسية، وبالتالي يمكننا القول نحن أمام إدارة أمريكية جديدة، لا تعبأ بأمن دول القارة الأوروبية، وهذا أيضًا ما فعلته من خلال انسحابها من الاتفاق النووي الإيراني، لأنها على علم بأنه لا يشكل تهديدًا للأمن الداخلي، في حال امتلاك إيران لسلاح نووي، حيث قدمت عليه ملف كوريا النووي، والذي ترى فيه تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!