تركيا بين التحديات والتطلعات

تعد دولة تركيا اليوم كما أرض الحبشة فيما قبل الهجرة، هي قبلة كل المستضعفين في الأرض؛ لأن فيها حاكمًا عادلًا قرر أن يعلم العالم كله أن المبادئ لا بد أن تتقدم على المصالح، وأن الكرامة الإنسانية تعلو كل المصالح المادية، وأن قيمة الإنسان تظل هي محور ارتكاز الحياة واستمرارها، وأن حماية النفس من أول المقاصد الخمس للتشريع الإسلامي الحنيف.

ومن هنا، فتحت تركيا أبوابها لكل المضطهدين في العالم، تحملت هذه الدولة وحدها النصيب الأكبر من إيواء اللاجئين، وخاصة شعب سوريا الشقيق. تجد على أرضها ما يقترب من 5 ملايين سوري مهاجر، لم تفتح لهم دولة أبوابها، ولم تستوعب أي دولة في العالم مثل هذا العدد من اللاجئين، أضف إلى ذلك اللاجئين والمطاردين من كل دول العالم بصفتهم معارضة ضد الأنظمة المستبدة في بلادهم، أو المهاجرين نتيجة الاضطهاد العنصري أو الطائفي أو الديني.

كان شعار تركيا الدائم أنتم المهاجرون ونحن الأنصار، وبرغم تعقيدات المشهد السياسي الإقليمي، وبرغم أن ملف اللاجئين يتسبب في مشكلات معقدة وكبيرة سياسيًّا واجتماعيًّا، وأصبح يمثل عبئًا كبيرًا على الحكومة التركية. وأمام خسة الحكام العرب ونذالتهم، وخصوصًا دول الخليج العربي في رفضهم استقبال أعداد أكبر من إخواننا السوريين، فلم يكن هناك بديل أمامهم غير تركيا التي تحملت هذا الملف من باب المبادئ والأخلاق، وليس من باب المصلحة.

وبالرغم من أن أوروبا وروسيا وأمريكا سبب رئيس في معاناة الشعب السوري؛ بمساعدتهم للمجرم بشار خارب الديار، وأطماعهم في سوريا المنهكة وليبيا، فقد ظلت تركيا على اتفاقاتها برعاية اللاجئين، وعدم فتح الحدود للهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، ولأن المؤامرة تتجاوز حدود ليبيا وتحويلها إلى ساحة قتال عالمية وكذلك سوريا المنهكة التي مزقوها، فإن مخططهم لم يتوقف عند ذلك، بل يطمعون في إسقاط تركيا، والغدر بقواتها في شمال سوريا بالضربة الخسيسة. لذلك فالخيارات أصبحت مفتوحة أمام القيادة السياسية التركية لتأديب هؤلاء المعتدين.

الجالية السورية الكبيرة تتطلع إلى الذهاب إلى أوروبا التي خربت بلادهم وطردوهم من ديارهم، فعليهم أن يدفعوا ثمنًا لأطماعهم، بغزو سلمي واحتلال واستبدال، فلتذهب أوروبا وروسيا إلى ليبيا، وليذهب العرب والمطاردون إلى أوروبا وروسيا وأمريكا، ويكون ذلك غزوًا مقابل غزو، واحتلالًا مقابل احتلال.

وعلى جميع دول المغرب العربي أن تحذو حذو ما تفعله تركيا اليوم، أن تترك كل المهاجرين يذهبون إلى أوروبا، إذا تم الزحف الشعبي سيخضع كل رؤساء أوروبا، وتتوقف أطماعهم، وسيتخلصون من أذنابهم في دولنا العربية، وسيحترمون رغبات الشعوب العربية عندما تختار حكامها من خلال انتخابات نزيهة تحقق مصالحهم في حياة آدمية محترمة.

لدى تركيا أوراق ضغط هائلة تستطيع إخضاع أوروبا وروسيا، ولن تنكسر الدولة التركية لأنها في مرحلة صعودها بإذن الله وبركاته.

عدم سقوط ليبيا وفشل الانقلاب فيها، ومساندة تونس للعبور إلى حصاد نتاج الثورة، وإفشال حصار قطر، وتطهير الشمال السوري، أربك حسابات المخططين وأفشلها، لكن للنجاح ضريبة وثمنًا، وستذهب تلك المحن بتركيا إلى بعيد، إلى العام 2023 الذي تخشاه أوروبا وروسيا وأمريكا، وسيكون للمسلمين شأن عظيم، واسم كبير، ورقم صعب، بصعود تركيا.

النجاحات السياسية التي حققتها تركيا في السنوات الأخيرة تشير إلى أن هناك تغييرًا قادمًا وبقوة، وربما يكون السعي التركي إلى تشكيل حلف قوي في مواجهة ما يسمى بمحور الشر، ربما يكون بداية لتغييرات جوهرية، ربما يأتي التغيير من حيث لا نحتسب، ومن داخل المحن والعثرات تتولد الانطلاقات والنجاحات، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد