على الرغم من تعدد مصادر المياه في العراق، أبرزها نهرا دجلة والفرات، إلا أن هناك دراسة سبق وقام بها معهد الموارد العالمية في عام 2015 كشفت عن احتلال العراق المركز 21 في قائمة الدول المهددة بأزمة مائية، ومع افتتاح سد اليسو أحد أقسام مشروع GAP التركي في الأشهر القادمة، سيكون العراق في الصدارة هذه الدول؛ مما يعني وجود خطر كبير يهدد الأمن المائي العراقي.

مشروع GAP؟

هو مشروع تركي تنموي اقتصادي لمنطقة جنوب شرق الأناضول يهدف إلى بناء 22 سدًا و19 محطة توليد الطاقة مائية، كما يتضمن المشروع حقل تخزيني تقدر قدرته التخزينية بنحو 100 مليار متر مكعب، ما يمثل أضعاف القدرة التخزينية للسدود العراقية والسورية مجتمعة، بالإضافة إلى أنه يتضمن شبكة إروائية كبيرة تروي نحو 1,7 مليون هكتار من الأراضي الزراعية، وغيرها من المشروعات الأخرى.

مخاطر مشروع GAP؟

يعتبر المشروع عبارة عن كتلة من المخاطر تبدأ من الأراضي التركية، حيث وفقا لمشروع حقوق الإنسان الكردي، عند الانتهاء من سد اليسو سوف تحدث فيضانات في المدينة القديمة من حصن كيفا، والتي عمرها أكثر من 10.000 سنة، وكما سوف تتاثر حوالي 186 منطقة كليا أو جزئيا من جراء الفيضانات، كما ستشمل عملية إعادة التوطين القسرية 55،000-65,000 شخص.

وفيما يخص دول الجوار، فإن المخاطر مضاعفة، خاصة وأن المشروع سوف يمكن تركيا من التحكم بـ90 % من مياه نهر الفرات، حيث في العراق تكمن خطورة المشروع في سد اليسو أحد السدود الـ22،الواقع على نهر دجلة قرب منطقة دراغيتجين بين محافظتي ماردين وسيبرت على بعد 65 كيلو من الحدود العراقية السورية.

ولمعرفة تاثير وخطورة السد المترقب ابتداءً عمله في مارس (أذار) 2018 على الحياة الاقتصادية في العراق، نعرض جانبًا من المخاطر التي وردت في دراسة د.مازن العباسي أستاذ في مركز الدراسات الإقليمية جامعة الموصل:

في حالة اتمام السد ينخفض الوارد المائي الطبيعي لنهر دجلة من 20،93 مليار م3 في السنة، إلى 9,7 مليار 3م في السنة، أي أن نسبة الانخفاض ستكون 47% من المعدل الطبيعي، وذلك ما سوف يؤثر في المجالات الزراعية والصناعية ومياه الشرب وتوليد الطاقة.

إن نقصان لكل 1 مليار 3م في السنة من واردات مياه دجلة، سيؤدي إلى فقدان وتجميد مساحات زراعية واسعة تقدر بحوالي 625000 هكتار، كيف في حالة انخفاض المعدل إلى 9,7 مليار 3م في السنة؟!

يؤثر السد على البنية الحياتية لنهر دجلة، ومدى قدرة الأحياء البحرية على التكيف والعيش مع النظام البيئي الجديد، وذلك ما يؤثر على تنمية الثروة السمكية في العراق، خاصة مع الانخفاض في معدلات تصريف المياه.

يعمل السد على تحويل ما يقارب 3 ملايين دونم من الأراضي الزراعية الواقعة في الوسط والجنوب إلى أراض جرداء، حيث سوف يعمل هذا الانخفاض في الإنتاج الزراعي إلى عزوف الكثير من الفلاحين من الاستمرار في الزراعة، وذلك ما يؤدي تلقائيا إلى زيادة في نسب الهجرة من الريف إلى المدينة.

-يؤدي المشروع على توسيع ظاهرة التحصر في العراق، مع تزايد مشكلة انتشار الكثفان الرميلة، التي سوف تزحف باتجاه المحافظات الجنوبية.

يؤثر النقص المتوقع في معدلات تصريف مياه النهر الورادة إلى العراق على عمل وديمومة المنشات الهيدروليكية المقامة على حوض النهر؛ مما يؤدي إلى شلها بشكل شبه كامل، فضلًا عن أن الانخفاض المذكور سوف يؤثر في إنتاج الطاقة الكهرومائية، على المحطات الواقعة على نهر دجلة، ولاسيما محطتي سد الموصل وسامراء.

تردي في نوعية المياه الواردة للعراق حيث سوف ترتفع نسبة نسبة الملوحة، كما سوف ترتفع نسبة التلوث في مياه نهر دجلة، نتيجة استخدام المبيدات الزراعية من قبل الفلاحين الأتراك.

سيعاني السكان القاطنون على حوض نهر دجلة، من قلة إمدادات المياه الصالحة للشرب، وإمكانية ارتفاع نسب الأمراض والإصابات نتيجة رداءة نوعية المياه القادمة إلى البلادـ، خاصة وأن 80% من الحاجة المائية المستخدمة منزليا في العراق تعتمد على نهري دجلة والفرات.

الموقف الموقف العراقي من GAP؟

كل المعطيات تؤكد هناك ضعف وعجز في الموقف العراقي أمام مشروع GAP التوسعي، ولاسيما أحد أقسامه سد اليسو، حتى يجد المتابع هناك نوع من التجاهل والتناقض في التعامل الحكومي مع المشروع الذي يهدد الأمن المائي العراقي.

ما يؤكد ذلك آخر المواقف الحكومية على لسان وزير الموارد المائية في الأيام الماضية، حيث صرح قائلًا: تلقينا تطمينات غير مكتوبة من الجانب التركي تفيد بأن إملاء سد اليسو بالمياه كما مقرر في العام المقبل لن يلحق ضررًا بالعراق.

وذلك ما يدفع للتساؤل هل يعلم وزير الموارد المائية العراقي، بان تلك التطمينات غير المكتوبة، لايمكن اعتبارها ضمانة حقيقية في عالم يتجه من الحرب من أجل النفط إلى الحرب من أجل المياه، ولاسيما أن الجانب التركي سبق وانتهك معاهدة الصداقة مع العراق التي عقدت في عام 1947، والتي نصت في إحدى نقاطها على تقديم الجانب التركي المعلومات عن أي مشروعات مائية إلى الجانب العراقي، وأن لا تتم تلك المشروعات إلا بعد توافق بين البلدين.

فضلًا عن طبيعة المصالح التركية في العراق وحساسيتها في هذه المرحلة والمراحل القادمة، بعبارة دقيقة إن المشروع سوف يدخل العراق تحت تأثير الضغط التركي عند اندلاع أية أزمة بين البلدين، او حتى المساومة على مواقفه مقابل الماء، كما حصل مع سوريا في 1987 عندما أعلن الرئيس التركي تورغوت أوزال آنذاك، منح سوريا (12) مليار متر مكعب من المياه، إذا ما أوقفت دعمها إلى حزب العمال الكردستاني في عام 1987.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد