اتفق العديد من النقاد أن شهر مارس 2016 كان خطوة شديدة الأهمية في التاريخ السياسي التركي، فلأول مرة خلال تسعين عامًا، يتنازل سياسي تركي – أحمد داوود أوغلو – عن منصبه كرئيس للوزراء، ويدعو لانعقاد مؤتمر حزبي، مما أدى إلى انتخاب عضو آخر من حزبه – بن علي يلدريم – رئيسًا للوزراء.

انتقال السلطة تم بكثير من اليُسر. ووصف كل من رئيس الوزراء السابق والحالي التغيير بأنه مثل تسليم وتسلم العلم من أجل نفس الهدف، وقد بدأ عهد جديد مع مؤتمر الحزب في الأسبوع الماضي.

افتُتح المؤتمر بخطبة حماسية من داوود أوغلو وانتهى بواحدة ليلدريم، مُعلنين بذلك بداية فترة الرئيس الثالث لحزب العدالة والتنمية. كان من خطط ووجه تلك العملية برمتها هو الرئيس رجب طيب أردوغان، مؤسس حزب العدالة والتنمية. ويرى العديد من السياسيين المؤيدين لحزب العدالة والتنمية أن الفترة القادمة ستكون فترة شبه رئاسية نوعًا ما. أشارت استطلاعات الرأي التي أُجريت مباشرة بعد تغيير المكتب الوزاري إلى أن حزب العدالة والتنمية لا يزال محتفظًا بتأييد حوالي 55٪ من الأصوات، ويعتقد الكثيرون أن هذا بمثابة دليل على أن الناخبين يعتبرون أردوغان زعيم حزب العدالة والتنمية.

هناك العديد من الاعتبارات فيما يتعلق بهذا التغيير في السلطة، فرئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو معروف بشخصيته الاستراتيجية والفكرية، بينما يشتهر رئيس الوزراء الجديد يلدريم بنشاطاته. وانطلاقًا من هذه النقطة، فمن الواضح أن الاستراتيجيات التي ستحدد مستقبل الحزب ومستقبل تركيا ككل سيتم وضعها من قِبل رجب طيب أردوغان مرة أخرى، كما كان الحال في فترة ما قبل الانتخابات الرئاسية لعام 2014.

ومع انطلاق العهد الجديد، سيكون من الأفضل لبلدنا أن يطور أردوغان من السياسة الخارجية التركية بسرعة، فهناك العديد من القضايا التي لم تُحل بعد في منطقتنا، الحروب الأهلية في سوريا والعراق تزداد سوءًا يومًا بعد يوم، والولايات المتحدة على وشك أن تصبح طرفًا في الصراع المسلح الدائر في ليبيا، كما أن السلام لا يزال بعيدًا عن التحقق في الحروب الأهلية في أفغانستان واليمن. يستمر الجميع بالحديث عن شيء آخر غير اللاجئين والمهاجرين، والذين يفقدون حياتهم في طريقهم للخارج. يؤمن الرئيس أردوغان أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والغرب فشلوا في تحمل مسؤوليتهم كاملة من أجل حل هذه المشاكل، وقد أعلن عن مسار العمل لحقبة جديدة في المقالة التي صاغها بنفسه في إحدى الصحف التركية بشأن مؤتمر القمة العالمي للعمل الإنساني، والذي عُقد في إسطنبول الأسبوع الماضي. عنوان المقال يلخص رسالته بوضوح: «نحن لا نفتقر للحل، نحن الحل»، وتتضمن المادة العبارات التالية: «إن السبب الكامن وراء العديد من المشاكل في العالم ليس نقص الموارد المالية، بل عدم وجود الشفقة والتعاطف. يجب أن نُحفز الضمير العالمي».

تم جر العديد من البلدان الإسلامية في الصراعات القائمة بسبب المصالح الاقتصادية، والجيوسياسية، والسياسية في العالم على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية. حولت صراعات النفط والطاقة، بالإضافة للصراعات السياسية والمصالح الاقتصادية، أراضي المسلمين لمنطقة حرب، وبالتالي فهناك حاجة ماسة لوضع سياسات جديدة في الشرق الأوسط للحد من الصراعات. يجب على العالم اليوم أن يُعطي الأولوية للسياسة السلمية لمنع المزيد من الناس من التعرض للقتل، ويجب أن تخدم السياسة الخارجية لتركيا هذا الغرض وتشمل جميع الناس في العصر الجديد.

لدى تركيا القدرة على تطوير هذه السياسات مع العالم الإسلامي. في أبريل الماضي، تولت تركيا رئاسة منظمة التعاون الإسلامي‎‎. في القمة، دعا كل من الرئيس التركي أردوغان والرئيس الإيراني روحاني لوضع حد للصراعات الحادة بين الشيعة والسنة، وكانت هذه هي الخطوة الأولى التي اتخذت بنية صادقة، يجب على تركيا الاستفادة من هذه الفرصة للتعاون مع الدول الإسلامية، وتحويل المنظمة إلى مركز لوضع وتنفيذ سياسات مشتركة من أجل السلام.

ناقش مؤتمر المنظمة في شهر مارس العديد من القضايا، وفي مقدمتها قضية المياه، وسياسات التنمية المشتركة، وبالنظر إلى أن هناك 22 دولة من الدول الـ 49 الأقل نموًا، كما أن هناك 6 دول من أغنى 15 دولة في جميع أنحاء العالم، أعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، فإن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن العالم الإسلامي في حاجة ماسة لروح التضامن والإخاء.

بالإضافة للسياسة الخارجية، ركزت الحكومة والقيادة التركية الجديدة بشدة على القضايا الداخلية الأخرى. كما ذكر كل من أردوغان ويلدريم عدة مرات أنه سيكون هناك المزيد من التقدم في مجال مكافحة الإرهاب في الفترة المقبلة، حتى يتم ضمان سلامة جميع المواطنين الأتراك. كما صرحا أيضًا بأن تنفيذ أي مشروع سياسي لتقسيم البلاد – بغض النظر عما يطلق عليه – سواء كان شكلًا من أشكال الاتحاد الفيدرالي أو الكونفدرالي، أو الحكم الذاتي، أو نظام الكانتونات، أو إدارة محلية قوية – شبه مُستقلة – بمثابة خط أحمر بالنسبة للحكومة التركية، كما يدعم الشعب التركي هذه السياسات في مجال مكافحة الإرهاب، ولأجل وحدة البلاد بشكل عام.

كما يتضمن جدول أعمال تركيا لعام 2016 رئاسة عضو الحزب، ودستور مدني جديد. تم إعداد الدستور الحالي في أعقاب الانقلاب العسكري عام 1980، على الرغم من أنه قد تم إدخال العديد من التحسينات مع الوقت، إلا أن هذا الدستور قد فشل في التعبير عن قيم المجتمع المدني في القرن الحادي والعشرين. تقريبًا يؤمن كل الشعب التركي بضرورة وضع دستور جديد. ومع ذلك، فالتوافق في الآراء بشأن مضمون الدستور الجديد يبدو أمرًا بعيد المنال.

مما لا يقبل الشك أن القضية الأكثر إثارة للجدل فيما يتعلق بالدستور الجديد هو النظام الرئاسي، والذي يشير إلى تحول جذري في نظام الحكم في تركيا. ومع ذلك، ودون باقي التغيرات السياسية الأخرى، فإن الرأي العام لا يدعم هذا التحول بما فيه الكفاية. لم يتبنى الشعب التركي فكرة النظام الرئاسي، بسبب أنه قد يؤدي إلى انقسام البلاد، وهو مصدر قلق له ما يبرره. وبالفعل، فإن الأمة التركية التي تكافح في قضية الإرهاب، لن تتسامح مع أية تغييرات سياسية قد تُمثل خطرًا جديًا في مثل هذا التقسيم على الإطلاق. يشكل النظام الرئاسي خطرًا كبيرًا على تركيا في هذه المرحلة.

وبالتالي، فهناك حل وسط لهذه المشكلة، وقد أُثير هذا الحل في الآونة الأخيرة: نظام رئاسة عضو الحزب، جعل منصب الرئاسة أعلى مستوى تنفيذي، بدلًا من أن يكون مجرد منصب شرفي، ويمكن ترك هذا الأمر لتقدير الشعب التركي، حيث أنه لن يؤدي إلى تقسيم أو فدرالية. وبالتأكيد، سيكون القرار في أيدي الشعب التركي وحده.

منذ بداية الألفية الثانية، اتخذت تركيا خطوات مهمة فيما يتعلق بالحقوق المختلفة بما في ذلك الحقوق: الاقتصادية، والصناعية، والطبية، والسياسية، والاجتماعية، وقد كانت هناك زيادة في مستوى رفاهية الشعب. المساعدات، والتي يُتطلب وجودها كون الدولة اشتراكية، أصبح الوصول إليها أكثر سهولة للملايين من الناس، الصغار والكبار على حدٍ سواء. يتوقع الشعب التركي أن الحكومة سوف تقوم بدور رائد في جمع المسلمين تحت سقف اقتصادي واجتماعي موحد في الفترة المقبلة، ونتمنى جميعًا أن تُساعد الأيام المقبلة في وجود مشاريع مشتركة من شأنها أن تجلب السلام والرفاه والرخاء والصداقة في العالم الإسلامي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تركيا
عرض التعليقات
تحميل المزيد