تعتبر منطقة ناغورني كاراباخ أو ناغورني قره باغ، واحدة من المناطق العديدة المتضررة من الصراعات الناجمة عن التوترات العرقية بالدرجة الأولى والتي شكلت نهاية العالم ثنائي القطبية.

ويمكن تصنيف النزاع في هذه المنطقة، كأحد النزاعات المجمدة التي دخلت دوامة من الجمود المنيع ضد أي محاولة لحلها، حيث خضع إقليم ناغورنو كاراباخ الذي تسكنه أغلبية أرمنية وأقلية أذريَّة لسيطرة روسيا القيصرية في نهايات القرن التاسع عشر، ثم أُلحق بعد الثورة البلشفية بجمهورية أذربيجان متمتعًا بحكم ذاتي استمر حتى سقوط الاتحاد السوفيتي السابق.

كانت هناك مطالب للاستقلال وانتهت بإعلان الأرمن في الإقليم سلطة محلية مستقلة عام 1991، وبدورها ألغت أذربيجان الحكم الذاتي، وخاضت حربًا ضد المجموعات الأرمنية الانفصالية، وتوسَّعت الحرب لتصبح مع أرمينيا، التي قدمت للجماعات في الإقليم المتنازع عليه الدعم العسكري واللوجستي.

نَتج عن هذه الحرب التي استمرت بين 1992 – 1994 خسارة أذربيجان للإقليم إضافة لِستِّ مناطق أخرى كانت تخضع لسيطرتها، فضلًا عن سقوط 30 ألف قتيل وتهجير ما يقرب من مليون شخص من المناطق المجاورة غالبيتهم من الأذريين

على الرغم من تعدد الأطراف المتدخلة في هذا النزاع إلى أن تركيا تعتبر من الأطراف الاساسية، حيث تربطها علاقات تاريخية وخلافات عميقة مع أرمينيا، بالإضافة إلى روابط هوايتية ومصالح مشتركة مع أذربيجان تمتد إلى عهد الإمبراطورية العثمانية.

فما هو الدور الذي تلعبه تركيا حاليا في نزاع ناغورني كاراباخ؟

في البداية للحديث عن دور تركيا يجدر بنا الانطلاق من أسباب ودوافع التدخل التركي في هذا النزاع الذي سرعان ما تحول إلى حرب.

العداء التركي الأرمني التاريخي

يرجع بعض المحللين الموقف التركي إلى الخلاف التاريخي بين تركيا وأرمينيا.

ولكن على الرغم من 105 من السنين وآلاف الوثائق والشهادات والمؤلفات واعترافات عشرات الدول والمنظمات، كل ذلك لم يغيّر في الموقف الرسمي لتركيا، الذي بلغ حدّ تجريم «إهانة القومية التركية»، بموجب المادة 301 من قانون العقوبات.

على الرغم من نجاح عددٍ كبيرٍ من الشخصيات الأرمنية في تبوّء مناصب اجتماعية مهمة في القسطنطينية، كانت الغالبية الأرمنية، حتى منتصف القرن الـ19، تعيش في ظروف الفقر والتهديد، بسبب السياسة العثمانية التي أخذت تضيق ذرعًا بالأقليّات، ففرضت عليها الضرائب، ولم تقدم لها الحماية من «غارات» خطف ونهب وقتل مستمرة، خصوصًا في مناطق الأطراف، ومنعتهم الحقوق المدنية.

ويقول الأرمن إن القوات العثمانية آنذاك استهدفت أسلافهم بشكل ممنهج، بالقتل والاعتقال والتهجير، بسبب الشك في دعمهم لروسيا أثناء الحرب. ويعتبر المؤرخون ما حدث أول عملية إبادة جماعية في القرن العشرين.

يقدر مؤرخون أن حوالي مليوني أرمني كانوا يعيشون في أراضي الدولة العثمانية مع بداية الحرب العالمية الأولى عام 1914. وبحلول عام 1922، انخفض عددهم إلى 400 ألف فقط

ويقول الأرمن: إن الآلاف من أسلافهم تعرضوا للتعذيب والاغتصاب ومصادرة الممتلكات. وسيق كثير منهم لمسافات طويلة عبر الجبال والسهول بلا طعام أو شراب. فكان من لم يُقتل في «المذابح» مات جوعًا أو عطشًا أثناء عملية الترحيل إلى الصحراء في سوريا.

على الرغم من المصادر الكثيرة التي تعتبر أن هذا العداء بين الطرفين (أرمينيا / تركيا) سبب في تدخل تركيا المباشر والصارم، إلى أنه في الواقع ليس السبب الأساسي.

أسباب التحالف بين تركيا وأذربيحان

عند الحديث عن العلاقة بين تركيا وأذربيجان يمكننا القول إن هناك علاقة ومصالح إستراتيجية كبيرة تربط بينهما وتتعلق بخطوط نقل الغاز بالدرجة الأولى.

إضافة إلى مكانة أذربيجان في سوق الطاقة، لهذا تعتبر أية مواجهة بمثابة خطر على إمدادات تركيا من الطاقة القادمة من أذربيجان، وهذه الأخيرة في حاجة ملحّة لتركيا كممر مهم للعالم الخارجي، فضلًا على وجود المصالح أخرى مرتبطة بكون أذربيجان ممرًا مهمًا لتركيا لنفوذها القديم في القوقاز ووسط آسيا.

وعلى الرغم من تعدد الجبهات التي تتوزع فيها القدرات التركية (سوريا، والعراق، وليبيا، وشرق المتوسط) إلى أن التدخل في قضايا القوقاز يعتبر ضرورة حتمية، فالطموح الأردوغاني في توسيع رقعة إنتشار قواته وخبرائه وانخراطه يضع حدا نهائيا لنظرية «صفر حروب» واستبدال بها نظرية تهدف إلى تراكم الإنجازات الميدانية، فأردوغان يهدف إلى التوسع والتدخل في القضايا الإقليمية وحتى الدولية.

ويعتبر الباحث في الشأن الاقتصادي التركي أحمد مصبح أن البعد الاقتصادي أحد أهم أركان التحالف الإستراتيجي بين تركيا وأذربيجان، فتركيا ثاني أكبر سوق للصادرات الأذرية بقيمة 1.85 مليار دولار، ويبلغ إجمالي حجم التبادل التجاري بين الطرفين 3.3 مليارات دولار، ويستهدف البلدان رفع حجم التبادل التجاري إلى 15 مليار دولار خلال السنوات الثلاث المقبلة.

وتعتبر أذربيجان ثاني أكبر موردي الغاز لتركيا بعد روسيا، كما ترتبط تركيا بأذربيجان من خلال ممر لنقل الغاز (تاناب) الذي يربط بين أذربيجان وأوروبا ويبلغ طوله 3500 كيلومتر.

بالإضافة إلى خط حديدي دولي يربط بين أذربيجان وتركيا مرورًا بجورجيا «باكو ـ تبليسي ـ قارص»، يهدف لنقل مليون مسافر سنويًا، بالإضافة إلى 6.5 ملايين طن من البضائع بين البلدان الثلاثة، كما يسهم الخط – من خلال ربطه بين تركيا، وآسيا، ومنطقة القوقاز، والدول الأوروبية – في نقل 50 مليون طن من البضائع كل عام.

تطمح تركيا في أن تصبح فاعلًا سياسيًا رئيسًا وتفرض نفسها على المشهد الإقليمي لهذا يعتبر هذا النزاع من المواضيع الأساسية التي ستحدد موقعها وتحدد مدى إمكانية توسعها في القوقاز ووسط آسيا، فهذه المنطقة لطالما كانت مطمعًا للكثيرين، ومجالًا حيويًا لكل من تركيا وروسيا، وحتى إيران.

ولكن يعتبر دور تركيا حاليًا في النزاع سلبي ويعتبر تأثيرها في العلاقات الأرمنية الأذربيجانية هو السبب في تأجيج الصراع، حيث أدى دعم أنقرة لجارتها أذربيجان وخطابها الصارخ والصارم إلى تأجيج أعنف صراع، والذي كان جامد منذ عقود، ويقول المحللون إنه قد خلق مشكلة كبيرة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين من خلال تحدي هيمنة موسكو الإقليمية.

في الوقت نفسه، قال المحللون: إن دعم تركيا الكامل لأذربيجان في الصراع شجع باكو، وأزال نفوذ موسكو على القيادة الأذربيجانية.

إن انخراط تركيا المتزايد في جنوب القوقاز عبر أذربيجان حقيقة لا تستمتع بها روسيا. حيث قال دميتري ترينين، رئيس مركز كارنيجي موسكو للأبحاث، «المصالح الروسية والتركية تتعارض هنا أكثر من أي مكان آخر»، مضيفًا: «بوتين وأردوغان لم يكونا حليفين حقيقيين، ولن يكونا كذلك أبدًا».

تتهم وزارة الخارجية الأرمينية تركيا بـ«وجود مباشر على الأرض» في الصراع، بما في ذلك وجود أسلحة وطائرات مقاتلة.

لكن مسؤولين في تركيا ينفون هذه المزاعم الأرمينية. القائلة بأن خبراء عسكريين أتراكًا ومرتزقة سوريين مدعومين من تركيا يشاركون في الصراع ووصفوها بأنها «اتهامات لا أساس لها».

وحاليًا بعد أن تم عقد أربعة اتفاقات متتالية لوقف اطلاق النار هذا الشهر وفشلت واحدة تلو الأخرى وآخرها الاتفاق الذي تم بوساطة أمريكية، وتم انتهاكه بعد دقائق فقط، حيث تبادلت كل من أرمينيا وأذربيجان الاتهامات بخرقه.

ولهذا يجدر بنا التساؤل من المستفيد من خرق وقف إطلاق النار؟

فبحسب موقع أوراسيا، التابع لمعهد هاريمان بجامعة كولومبيا الأمريكية، عندما ينتهك وقف إطلاق النار، عادة ما يقع الشك على أذربيجان، حيث لا مكسب لأرمينيا في الإخلال بالوضع الراهن؛ إذ تسيطر قواتها على المنطقة الواقعة في قلب النزاع.

فهل فعلًا أذربيجان هي المسؤولة عن خرق هذه الاتفاقات؟ أم أن هناك أطرافًا أخرى خارجية تستفيد من استمرار النزاع وتستفيد من تصعيده؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد