كان كثير من السوريين ينظر إلى الدور التركي تحت قيادة أردوغان في سوريا كدور إيجابي وداعم للشعب السوري وثورته، لكن هذه النظرة بدأت تأخذ منحى مغايرًا تمامًا عما كانت عليه في السابق، خاصة بعد تجلي وانكشاف مدى الضرر الذي ألحقه بالثورة السورية والشعب السوري بشكل عام.

بات من الواضح أن الدور التركي في سوريا هو دور تركي بامتياز، بمعنى أنه دور يسعى لتحقيق مكاسب تركية قومية بحتة فقط، ولو على حساب الشعب السوري ودماء أبنائه. هذا الكلام ليس كلامًا حزبيًّا أو عاطفيًّا يراد منه الطعن واللمز بتركيا وقيادتها، إنما هو كلام تدعمه الأدلة والقرائن التي تتوالى في آخر سنتين من الثورة السورية.

على المستوى السياسي:

أجبرت القيادة التركية تحت قيادة أردوغان الفصائل الداعمة لها على التفاوض مع روسيا والنظام في مفاوضات أستانة، في مفاوضات ظاهرها بين الفصائل والنظام وروسيا، وباطنها بين تركيا وروسيا، فقد زجت تركيا بتلك الفصائل في مفاوضات أقل ما يقال عنها إنها غير متكافئة وتخدم النظام السوري وروسيا وإيران، إذ أضفت تلك المفاوضات بعض الشرعية التي يفتقدها النظام، وأعطت روسيا دورًا سياسيًّا بوصفها «ضامنًا» لتلك المفاوضات العقيمة، رغم أن روسيا طرف إجرامي في المعادلة السورية، فكيف لها أن تكون طرفًا وضامنًا في آن؟

على المستوى العسكري:

قامت تركيا بتحييد الفصائل عن المعارك المصيرية مع النظام وروسيا وإيران، حين قامت بتحييد الفصائل عن معركة حلب كمثال – التي تعد مرحلة فاصلة في الثورة السورية – مقابل معركة موافقة روسيا على السماح لتركيا بدخول منطقة الباب في ريف حلب وبعدها عفرين وبعض المناطق في سوريا، بعد أن أكدت لها موسكو أنها سوف تتخلى عن دعم الأكراد في تلك المناطق، كما صرح بذلك أبو العبد أشداء، وهو من كبار قياديي هيئة تحرير الشام، قبل أن يُعتقل فيما بعد، وما تزال تركيا تقايض بعض المناطق بينها وبين النظام وروسيا، رغم التصريحات النارية التي تطلقها في الإعلام، وما سقوط النقاط التركية في أحضان النظام وانسحابها فيما بعد إلا خير دليل على ذلك.

على المستوى الإنساني:

على حد علمي لا يوجد دولة تاجرت بدماء السوريين ومعاناتهم كما فعلت تركيا، فعلى الرغم من أن أنقرة لا تفوت فرصة للتفاخر بأنها تستقبل أكبر عدد من اللاجئين السوريين فهي في الوقت نفسه تتناسى أن حرس حدودها قد قتل أكبر عدد من اللاجئين السوريين، فقد لا يعلم الكثيرون أن «الجاندرمة»، وهم حرس الحدود، قد قتلوا من السوريبن على الحدود ما لم يقتله حرس حدود الدول المجاوره مجتمعة، فطبقًا لأحدث تقرير أصدره «المرصد السورى لحقوق الإنسان» فإن قوات حرس الحدود التركي قد قَتلت ما يقرب من 419 مدنيًّا سوريًّا منذ انطلاق الثورة السورية، بينهم 75 طفلًا، و38 امرأة.

عدا عن عمليات الترحيل القسري مع الضرب والإهانة التي تقوم بها الحكومة التركية، إلى الداخل السوري والتي تعد بالآلاف، ناهيك عن إبرامها اتفاقًا مع الاتحاد الأوربي يتضمن مساعدات بقيمة 6 مليار دولار تزعم أنقرة أنها تنفقها على اللاجئين السوريين لديها، مقابل تعهد أنقرة بضبط الحدود بينها وبين اليونان، واسترجاع أي لاجئ يُرفض طلب لجوئه.

هنا يكمن «النفاق» في سياسة أنقرة، ففي الوقت نفسه الذي توافق فيه على استرجاع اللاجئين من اليونان تقتل من يحاولون الهرب من سوريا باتجاه أراضيها! ناهيك عن أن الرئيس أردوغان لا يفوت فرصة لتهديد وابتزاز الاتحاد الأوروبي بورقة اللاجئين، متناسيًا أنها موضوع إنساني وأخلاقي، ولا يجوز زجه في «البازار السياسي».

أخيرًا، لا شك أن تلك الحقائق لا يريد أن يصدقها الكثير من العرب والسوريين، لكن للأسف هذا هو الواقع الذي يرفضه الكثيرون، خاصة أولئك الذين يؤملون على الدور التركي لمواجهة النظام وروسيا وإيقاف المذابح المتنقلة على الأرض السورية، رغم أن وزير الدفاع التركي قالها صراحة حين أعلن وبكل وضوح أن التعزيرات العسكرية التركية التي يهلل لها البعض، ما هي إلا تدابير لمنع الهجرة لا أكثر.

لذلك على المعولين على الدور التركي أن يعيدوا حساباتهم؛ لأن تركيا لا ترى أوسع من دائرة مصالحها القومية والوطنية، فكل ما يهم تركيا في سوريا هو موضوع الأكراد في الشمال السوري بالدرجة الأولى، ومنع موجة هجرة باتجاه أراضيها بالدرجة الثانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد