عودة إلى موضوع التجربة الـ«إسلامية» التركية (الأردوغانية تحديدًا)، والسقوط في فخ تكرارها؛ هناك مفارقة عجيبة تستحق أن تفرد بالحديث!

  • في عام 1924 ألغى أتاتورك الخلافة، ومضى بدولته وشعبه في اتجاه لا ديني (في الحقيقة هو اتجاه معادٍ للدين، وليس فقط لادينيًّا).
  • في عام 1928 بدأ البنا دعوته وأسس جماعته، ومضى بأتباعه في اتجاه ديني أصولي صرف.
  • بعد مرور 90 عامًا تقريبًا، انتهى مسار البنا إلى نهاية يصفها القاصي والداني بالفشل، سواء الأيديولوجي أو المنهجي أو الحركي، بالإضافة إلى تلاسن واتهامات أخلاقية طالت ما تبقى من قادة حركته، بينما انتهى مسار أتاتورك إلى ما وصفها أنصار البنا أنفسهم بـ«تجربة إسلامية ناجحة»!

فكيف يستقيم هذا؟!

بداية لا يمكن التشكيك في نية كلا الرجلين، ولا في غايته المعلنة، فقد كانت الحرب الاستئصالية التي شنها «أتاتورك» على الإسلام بكل مظاهره (تشريعية، تعبدية، روحية، اجتماعية) حربًا جادة لا مزاح فيها، ولا يمكن تبريرها – كما قلنا قبلًا – أو قبولها بأي مسوغات، بل لا يمكن إيجاد تفسير لها لا ينطوي على عداء شخصي منه للإسلام. في حين كانت دعوة البنا الإسلامية الأصولية جادة مخلصة أيضًا في اتجاهها، فكيف انتهت كل دعوة منهما إلى عكس ما قامت من أجله وسعت إليه؟!

أعتقد أن أحد تفسيرات تلك المفارقة ربما يكمن في الإطار الذي اختطته كل حركة لنفسها وفرضته فرضًا على مجتمعها، وهو «دستوري» في حالة أتاتورك، «أيديولوجي» في حالة البنا!

بالنسبة لأتاتورك، والذي كان يدرك تمامًا أن حربه الاستئصالية ضد الإسلام لن تكون هينة أبدًا، وأنها وإن لاقت قبولًا ما في الشارع التركي، فإنه قبول مؤقت زائف، مدفوعٌ – ربما – بواقع الفساد والتخلف والهزيمة الذي ساد أواخر العهد العثماني، وبالامتنان للانتصار العسكري الجزئي الذي حققه أتاتورك وحفظ به بعض ماء الوجه. لكنه كان يتخوف زوال هذا الأثر الطارئ، وبدء الشارع في النظر لأفعاله وسلوكه بشكل مجرد، يستدعي بكل تأكيد الانقلاب عليه، حتى ولو بعد وفاته!

ولهذا كانت وسيلته لمنع هذا هي القانون والدستور، فأدرج كل الممارسات الاستئصالية قوانين صريحة حاسمة، وصاغ الدستور نفسه بما يعطي للجيش (أداة أتاتورك الرئيسة) وصاية كاملة صريحة على الدولة، وحرية التدخل المباشر (انقلاب عسكري) لضبط الأمور إذا ارتأي قادته أن مبادئ الدولة العلمانية (الأتاتوركية) في خطر!

وربما يبدو هذا المسلك سوداويًّا بالنسبة للشعوب وحريتها؛ إلا أنه حمل وجهًا آخر على عكس ما أراده واضعوه!
فبعد أن ضمن القانون، بل الدستور نفسه، للمستبد المستأصل ممارسة استبداده واستئصاله؛ لم يعد لديه أي سبب أو مبرر، أو حتى رغبة، في الخروج على القانون والدستور! وهذا – للعجب – أوجد إطارًا قانونيًّا دستوريًّا واضحًا ومحددًا، يستطيع الجميع أن يتحركوا داخله بكل أريحية، وبتوقع قانوني شبه كامل لمآلات الأقوال والأفعال والممارسات، دون مفاجآت!

ولأنه في النهاية دستور وقانون؛ فإن أبواب الحركة فيه أكثر بالتأكيد من أبواب التقييد، ولهذا لم يكن غريبًا أن نرى من تمت إزاحتهم اليوم بانقلاب عسكري عبر باب دستوري صريح، سرعان ما يعودون إلى مواقعهم في الغد عبر أبواب دستورية صريحة أخرى!
ولأن الانقلابات العسكرية، مهما ضمنها الدستور وأباحها، مكلفة؛ إذ تقترن حتمًا بهزات سياسية واجتماعية واقتصادية عنيفة؛ فقد عجزت عن تتبع حركة المجتمع لفرض الوصاية المطلوبة! فمن الممكن أن تجري انتخابات كل عام، لكن من المستحيل أن يحدث انقلاب عسكري بالوتيرة نفسها، ولهذا فإن منحنى الحركة ظل يسير بشكل عام نحو تمكين المجتمع رغم أنف أتاتورك، وبشكل دستوري سليم!

أما في حالة «البنا»، فقد اتخذ الرجل إطارًا «أيديولوجيًّا» واضحًا، وبدأ دعوته دينية صرفة، متجاوزة الحدود والأقطار، مضطلعة – بطبيعة الحال – بأعباء وهموم الأمة الـ«إسلامية» بأسرها! (وهذا بعكس توجه أتاتورك تمامًا، المتخلي عن كل الالتزامات خارج الحدود القُطْرية التركية، المتحرر من أعبائها!).

ومع أن ظهور «البنا» زامن بدء فكرة الدولة الحديثة ومفكريها في مصر، وعلى رأسهم شيخه غير المباشر «محمد عبده»، وبدء الحركة السياسية والحزبية، وفورة القومية؛ فإنه اختار إطارًا «أيديولوجيًّا» مناهضًا لمفاهيم القومية والحزبية على السواء، رافضًا كل الأحزاب القائمة، بل لفكرة الأحزاب نفسها! فجاءت دعوته منذ بدايتها منغلقة على نفسها، منعزلة عن محيطها غير مندمجة مع أي إطار حركي قائم! بل كان طرحه السياسي والعملي مبهمًا، صاغه أتباعه فيما بعد بشعار لا يقل إبهامًا «الإسلام هو الحل»!

لست هنا في معرض انتقاد أي من المسارين، ولا بيان عوار أحدهما مقارنة بالآخر (مع قناعتي التامة أنه لا ينبغي أن يختلف مسلمان على كراهية أتاتورك وممارساته)، ولا حتى حصر العوامل المحيطة بكليهما؛ إلا أننا، وقد شهدنا بأم أعيننا نهاية كلا المسارين، لا يسعنا إلا أن نلحظ أن أتاتورك أراد سحق الفكرة الإسلامية بالدستور، وأراد البنا إحياءها بالأيديولوجيا؛ فازدهرت تحت قيد الدستور (رغم أنف أتاتورك)، وماتت على أكتاف الأيديولوجيا (رغم جهد البنا)!

ولهذا نستطيع أن نقول بأن التجربة الـ«إسلامية» الناجحة ربما تكون حاجتها إلى إطار دستوري قانوني أكثر من حاجتها إلى إطار «أيديولوجي»، وأنه إذا أردنا البدء بالتمهيد لتلك التجربة فربما لا يكون «الإسلام هو الحل»!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد