من أكبر المزالق المنهجية التي واجهتنا، لا سيما بعد موجة الربيع العربي، السقوط في فخ التجربة الـ«إسلامية» التركية (الأردوغانية تحديدًا) حد الانبهار، والتوهم الساذج بالقدرة على تكرارها.
وبغض النظر عن اللغط الحادث حول تلك التجربة، والخلاف المحتدم حول كونها إسلامية من عدمه؛ إلا أنها تجربة جيدة فعلًا وجديرة بالإعجاب؛ لكنها تظل استثنائية، وليدة ظرف زمني شديد الخصوصية والتفرد، اجتمعت فيه عوامل عدة، شكلت له خصوصيته وتفرده، وأهلت التجربة للسير قدمًا والوصول إلى ما وصلت إليه الآن، بشكل يستحيل معه تكرارها أو استنساخها حرفيًّا خارج هذا الظرف، ليس في دولة مجاورة فقط، بل حتى في تركيا نفسها! وعلى رأس هذه العوامل يأتي «أتاتورك».
أتاتورك، والذي تعده الغالبية الساحقة من المسلمين عدو الإسلام الأول، وأكبر كاره له في العصر الحديث، ألغى الخلافة بعد اتصالها لقرابة 1400 سنة، ثم تتبع كل مظاهر الإسلام في بلاده، تشريعية كانت، أو تعبدية أو حتى روحية، فمنعها تمامًا بقوة القانون، بل استبدل بالحرف العربي نفسه الحرف اللاتيني، والملابس العربية والعثمانية بالأوروبية، وغيرها.
وبرغم استحالة وجود تفسير لأفعاله تلك لا ينطوي على عداء شخصي للإسلام، وما ترتب عليها من أضرار بالغة بالفرد والأسرة والمجتمع المسلم داخل حدود بلاده؛ فإنها أتت بآثار جانبية حاسمة ناجزة، مهدت الطريق قسرًا وقطعًا، أما التجربة التركية الـ«إسلامية»، ووضعتها على بداية الطريق الذي انتهت إليه الآن!
ومنها على سبيل المثال:
  • إلغاء الخلافة، وإن كان قد أزال معنى رمزيًّا لوحدة المسلمين وعزتهم؛ فإنه أزال – فعليًّا – عبئًا ثقيلًا عن كاهل الدولة التركية المريضة، والتي خرجت لتوها منهزمة من حرب طاحنة، وفرغ كل جهودها ومقدراتها لخدمة إطارها الجغرافي والسياسي المحدد.
  • حظر استخدام اللغة العربية، واستبدال الحرف اللاتيني بالعربي، بل منع اللباس العربي نفسه، وإن كان قد عمل فجوة وقطيعة بين الأتراك وتراثهم وتاريخهم الطويل؛ فإنه عمل قطيعة أيضًا بينهم وبين الشرق العربي الإسلامي المأزوم المنهزم (حضاريًّا وعلميًّا وعسكريًّا)، وفتح بابًا واسعًا على الغرب الصاعد المنتصر، وسهل سبل الانخراط والاندماج (اللغوي والاجتماعي) معه، ولا يستطيع أحد أن ينكر أن الدولة التركية الحالية (الأردوغانية) هي دولة أوروبية غربية بالأساس!
  • الحرب المستأصلة التي شنها على الإسلام، والتي لا يمكن قبولها أو تبريرها تحت أي مسمى وفي أي ظرف، لم تنجح حقيقة في استئصال الإسلام بصفته دينًا سماويًّا بصورة كلية؛ لكنها عصفت – بنجاح تام – بكل الإرث المترهل الثقيل للتراث الإسلامي (المذهبي والفقهي والسياسي)، وخلصت الدولة التركية الوليدة – بضربة واحدة – من مزالق وصراعات أيديولوجية ومذهبية ما زالت تعصف بدول الشرق المسلم حتى اللحظة، والتي تبدت أولًا في صورة نزاع مذهبي سني/شيعي، ثم انفلت عقالها بعد ثورات الربيع العربي إلى صراعات أيديولوجية علمانية/إسلامية، ثم سريعًا إلى نزاعات حركية سلفية/إخوانية/جهادية، لم يراع في أيها إلًّا ولا ذمة، وارتكبت فيها من الخيانات والموبقات ما قد يُخرج أصحابها من عباءة الإسلام، بل الإنسانية كلها!
  • بينما على الجانب الآخر، وأثناء محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة، بدا المجتمع التركي (العلماني، صنيعة أتاتورك) أكثر تماسكًا وترابطًا ووحدة، بشكل جعل المواجهة صريحة بين الجيش من ناحية والمجتمع المدني (ككل) من ناحية أخرى، بل إن الجيش نفسه قد انحاز أغلبه إلى صف المجتمع (بعكس المجتمعات الإسلامية، والتي انحازت معظم كياناتها وحركاتها الإسلامية إلى صف الجيش بشكل أو بآخر!).

ولهذا فإن أتاتورك – في الحقيقة – حرر التجربة التركية قبل أن تولد، وأزاح عن كاهلها حملًا ثقيلًا لا تحلم أي تجربة مقلدة أن تتخلص حتى من بعضه، بل أحال الإطار الديني نفسه من سلعة رائجة آمنة رخيصة، يتعاطاها الدجالون والأفاقون واللصوص والحكام والسدنة والكهنة، إلى سلعة شحيحة خطرة مكلفة، لا يقربها إلا من يقصدها حقًّا، ومن هو مستعد لدفع الثمن!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد