قصةٌ من القصص الرومانسية كما يسميها صاحبها، مملوكٌ باعه سيده ثم ذهبَ كلٌ في طريقِه، ليصبِحَ الأول سيدَ المماليكِ في مصر والثاني واليًا على مصر من قبل الخليفة العثماني، وهو أحد المناصب الهامة في الدولة – وليس الأهم – ورغمَ أن سيدَ المماليكِ كان عبدًا عند الوالي وبالرغم من الإجلال الذي كان يقدمه المملوك لواليه بالإضافة إلى ذكر سيادته عليه في كثيرٍ من الأحيان، إلا أنه لم يترفع عن إرسال “أوده باشى” – يسمى عند العامة بأبي طبق – ليدخل إلى مجلسه ويحييه بكل احترامٍ ثم يثني طرف السجادة ويعلن إليه أنه أصبح معزولًا عن ولاية مصر بقرارٍ من شيخِ البلد (مملوكه السابق).

هذا غيضٌ من فيض وما خفي كان أعظم، فالسلطان إسماعيل باي هو هو نفس الذي عين قبل ثمانية أشهرٍ واليًا على مصر من قبل السلطانِ العثماني، باحتفالاتٍ وأهازيجٍ وطقوسٍ، تجيدُ تمثيلها البيروقراطية المصرية منذ تتويجِ أولِ فرعون ولم يزد على أشهرٍ ولم يتخلَّ مملوكه السابقُ عن حقه في عزله عن حكم بلاده، بل ونهب طيره من قبل الخدم وبيعها على الناس في الأسواق. ولم يخلُ هذا الموقفُ الطريفُ من مجالس الشعراءِ فقال أحدهم:

والباشا المعكوسُ قهرًا أنزلوا..
من قلعةٍ ولعنةٍ قد زودوا..

لتتخيل معى أيها القارئ أن الحكومةَ المصريةَ في القاهرةِ بقيادة سعد زغلول سنة 1929 تقرر عزل المندوب السامي البريطاني، ثم ترسل رجلًا رثَّ الثيابِ يسميه العامةُ أبا طبقٍ، إلى قصر الدوبارة فيقتحم غرفةَ المندوبِ السامي ويحييه بكل احترامٍ ثم يطوي طرف السجادةِ الإنجليزية التى يطئها مكتبه، ويقول بكل هدوءٍ انزل يا لورد! فإذا باللورد يخلع عنه كافةَ اختصاصاته وينزلِ مذعورًا إلى شوارعِ القاهرة، يطلبُ سكنًا إلى حين الإفراجِ عنه من الحكومةِ المصرية.. ثم يرسل الباب العالي في لندن مندوبًا آخر، ينتظر مصيرَ صاحبه.

وكانَ من أشهر المماليكِ وأكثرهم بأسًا الشقيقان إبراهيم ومراد ففي عامِ 1779 ركِبَ الأمراءُ وأرسلو إلى الباشا يأمرونه بالنزول إلى بيت أحد الأعيانِ بالقاهرة، فلما سمع ذلكَ قالَ “وأنا إيش ذنبي” فرجعوا وأخبروهم بمقالة الباشا فأمروا أجنادهم بالركوبِ فطلعو إلى حوش الديوان واجتمعو به حتى امتلأ منهم فارتعب الباشا! نعم والله ارتعب والي الخلافة العثمانية وممثل الدولةِ العلية في مصر فركب ونزل من القلعةِ إلى حيث أرادوا.

ثم مرةً أخرى أصحبك لتسترجعَ صورة المندوب السامي البريطانى يرد على مبعوثِ الحكومة المصرية قائلًا وأنا إيش ذنبى؟!

كفاكَ تخيلًا فالاستعمارُ أبدًا لم يترك للمُستَعمَرِ حق التصرف حتى يتركَ له حق الاختيار، وإذا كان إطلاقُ لفظة الاستعمار على علاقةِ الأستانة بمصر فلم تطلق إلا سفها من جُهالٍ يشهوهون فقط عصر الخلافةِ العثمانية، فالمستشرق الإنجليزي مارسيل يقولُ “انحصر التاريخُ في مصر في منتصف القرن السابع عشر إلى آخره في تعاقب الباشواتِ على ولايتها فتولاها 22 واليًا في فترة لم تتجاوز النصفَ قرن، لم يكن لهم شأن يذكرُ في حكومتها ولم يكن يملكُ المعزولُ المنهم إلا أن ينتظر قرار البكواتِ وكبار المماليك إما أن يخرُجَ مطرودًا وهو أخف الأضرارِ، أو منفيًا أو حتى لا يخرج و يصبِحَ في عداد القتلى.

أما الأستعمار في مصطلح العلوم السياسية هو ظاهرة تهدف إلى سيطرة دولة قوية على دولة ضعيفة وبسط نفوذها من أجل استغلال خيراتها في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهي بالتالي نهب وسلب منظم لثروات البلاد المستعمرة، فضلًا عن تحطيم كرامة شعوب تلك البلاد وتدمير تراثها الحضاري والثقافي، وفرض ثقافة الاستعمار على أنها الثقافة الوحيدة القادرة على نقل البلاد المستعمرة إلى مرحلة الحضارة، لكن شيئًا من هذا لم يحدث في عصر الدولة العثمانية. إذ أن العلاقة الرسمية الوحيدة التى كانت تربط مصر بتركيا هى الولاء للسلطان، وحقه في تعيين الوالي – الذى يعزله المماليك وقت ما شائو – ثم الميري أو ما يسمى بالجزية، وعلى صعيد تفسير المدرسة الإسلامية فإنه لا يُمكن قيام علاقة استعماريةٍ بين دولتين اسلاميتين.

كما أن تركيا كانت تستورد من مصر أكثر مما تصدر لها، وكانت صادراتها لمصر خامات على عكس المتعارف عليه في الدول الاستعمارية، التي كانت تجرد الشعوب من خاماتها إجبارًا، ثم تُصدر لها سلعًا مصنعة بأسعارٍ باهظة، فلا كان هناك جيشٌ للاحتلال مقيمٌ في القاهرة، ولا كانت ثرواتُ مصرَ تُنهب على يد سلاطين الأستانة، ولا حتى كانت الجزية تدفع في كثير من السنين.

لقد ظلَ الدُعاء للخليفة العباسي على منابرِ القاهرة إلى يوم وصول السلطان سليم، وظل الدعاءُ للسلطان العثماني حتى سقطت الخلافة العثمانية في عام 1924 وما من عاقلٍ يأخذ هذا الدعاء – غير المستجاب – كمظهرٍ من مظاهر التبعية!

ثم ترى المماليكَ حين نبئوا بخبر الغزو الفرنسي، ذهبو إلى اتهام السلطان العثماني بتدبيره، وواجهوا والِيه المغلوب على أمره، فنفى الباشا التركي هذا الاتهام قائلًا “لا يصح منك هذا الكلام أيها الأمير، إن الدولة العلية لا يمكن أن تسمح بمثل هذا الأمر على بلاد الإسلام، فدعوكم من هذا الحديث والكلام، وشدوا همتكم وصمموا بينكم، وانهضوا نهضة الأبطال واستعدو للحرب والقتال، وقدمو ذواتكم للمغازاةِ وفوضوا الأمر لله، إن هذه بلادُ السلطان فكيف للسلطانِ أن يتفقَ مع الغريب ليغزو بلاده؟” إذًا كانت مصر بلادَ السلطان العثماني، وحتى ولو عصت مصر فيحقُ لهُ تأديبها، لا الاستعانة بغريبٍ ليسلبها منه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

استعمار, تركيا

المصادر

1- ودخلت الخيل الأزهر لمحمد جلال كشك
2- تاريخ الجبرتي
عرض التعليقات
تحميل المزيد