مدخل

العام 636 من الميلاد، هُزمت جيوش الإمبراطورية البيزنطية أمام الجيوش العربية الإسلامية في موقعة اليرموك الحاسمة، وهرب إمبراطور الروم هرقل العظيم من الشام وتوقف عند مدينة أنطاكية وقال مقولته الشهيرة: «سلام عليك يا سوريا، سلامًا لا اجتماع بعده ولن يدخل إليك رومي إلا خائفًا حتى يولد المولود المشئوم».

ظلت اليد العليا وتسيد النظام العالمي في العصور الوسطى للدولة الإسلامية، فشهد عصر الخلافة الراشدة، والدولة الأموية، والعصر العباسي الأول، ذروة التفوق الإسلامي على عدوها ومنافسها التقليدي الممثل في الإمبراطورية البيزنطية.

وجاء العصر العباسي الثاني ليشهد سلسلة من الفتن والاضطربات في أرجاء الدولة العباسية، وضعفت السلطة المركزية للخلفاء، وانقسمت الدولة وتفتت لدويلات عدة، بينما على الجبهة الأخرى كانت الإمبراطورية البيزنطية في طور الصعود.

مبتدأ

في مطلع القرن العاشر الميلادي/الرابع الهجري، عادت الإمبراطورية البيزنطية كقوة مؤثرة في أوروبا ومنطقة الشرق الإسلامي، فتحت قيادة الأسرة المقدونية تجدد شباب الإمبراطورية، وانتهزت ضعف الدولة العباسية فتوسعت شرقًا وغربًا، وبلغ عصر التوسع ذروته في القرن الحادي عشر الميلادي/الخامس الهجري، تمددت خلاله الإمبراطورية لتعيد السيطرة على أرمينيا وجورجيا وكامل الأناضول، وأجزاء شاسعة من الشام، ومملكة البلغار في البلقان، وأضحت الإمبراطورية البيزنطية قوية غنية مرهوبة الجانب من كل جيرانها.

لكن كان على الإمبراطورية البيزنطية أن تواجه خطرًا إسلاميًّا جديدًا، حيث استعاد الإسلام مجده وجُدد شبابه ورفع راياته عنصر جديد. ففي هذه المرحلة الحرجة في تاريخ منطقة الشرق الأدنى الإسلامي انبعثت قوة الإسلام من جديد في إحياء يملأ القلب انبهارًا على يد القبائل التركية حديثة العهد بالإسلام.

كانت أعظم إنجازات الدولة السامانية – دولة فارسية سنية – إدخال القبائل التركية القاطنة في منطقة آسيا الوسطى في الاسلام، وأصبح الإسلام المكون الجوهري والرئيسي في توحيد القبائل التركية رغم اختلاف أصولها.

رفع الإسلام من شأن الترك، فأدخلهم في نطاق التاريخ العالمي، وأخذت قبائل الأتراك تتسرب إلى ممالك المسلمين ودخلوا في خدمة الخلفاء والملوك والأمراء، كما مهد الأتراك لأنفسهم مكانة عالية حين التفوا حول راية الإسلام، فأنعشوا قوته وحملوا لواءه.

ويصف ابن خلدون تغلغل الأتراك في قلب العالم الإسلامي بأنه لطف من الله، عز وجل، ليكونوا سياجًا له من الأعداء. وبرز من الترك السلاجقة العظام الذين لعبوا دورًا عظيمًا في تاريخ الإسلام ومنطقة الشرق الأدنى الإسلامي.

الحقبة التركية

كان عام 1055 عامًا حاسمًا في تاريخ العالم الإسلامي، وذلك لما وقع فيه من أحداث، أو اتُّخذ فيه من قرارات، أو تبلور فيه من نتائج مترتبة على أحداث سابقة، مما جعل هذا العام بداية مرحلة جديدة في تاريخ منطقة الشرق الأدنى الإسلامى. فقد توج الخليفة العباسى القائم بأمر الله القائد السلجوقي طغرلبك كأول سلطان تركي لعموم دار الإسلام، ومنحه لقب سلطان المشرق والمغرب، لتبدأ الحقبة التركية في ريادة العالم الإسلامي.

كان هذا التتويج ثمرة جهود قادها الفقيه والقاضي الشهير أبو الحسن المارودى، أقنع خلالها القائد السلجوقى بأن ينقل مركزه السياسى والعسكري من إيران إلى العراق، ويتخذ من بغداد عاصمة له.
جاء هذا التتويج في وقت كان فيه المد الشيعي قد بلغ أقصى درجات تمدده، فحين قدم طغرلبك بجيشه إلى بغداد بعد استنجاد الخليفة العباسي القائم به، كانت ثورة القائد العسكري الشيعي المظفر البساسيري قد بلغت أشدها، فقد تمكن البساسيري من السيطرة على بغداد وانتزع وثيقة اعتراف كتبها الخليفة العباسي على نفسه، وأشهد عليها القضاة والأعيان بأنه لا حق لبني العباس في الخلافة في ظل وجود أبناء فاطمة الزهراء، وتمت الدعوة للخليفة الفاطمي على منابر العراق.

دخل طغرلبك بغداد بجيوش السلاجقة الأتراك، وأنهى هذه الثورة وقتل قائدها البساسيري، وبمقتله سقطت الدولة البويهية لتنتهي السيطرة الشيعية على الخلافة العباسية، وبدأ السلاجقة عملية الإحياء السني بشقيها السياسي والفكري، واجهضوا مشروعات الشيعة الإسماعيلية «الفاطميين» في السيطرة على العالم الإسلامي.

ورسم طغرلبك أهدافًا استراتيجية لدولته الفتية وهي:

· القضاء على الخلافة الفاطمية الشيعية في مصر، وتوحيد العالم الإسلامي.

· مواجهة الإمبراطورية البيزنطية والتوسع على حسابها.

الصدام العسكري بين السلاجقة والبيزنطيين

في عهد السلطان ألب أرسلان أعظم سلاطين السلاجقة، عادت حركة الجهاد لتنشط من جديد، فأخضع جورجيا وأرمينيا، وغزا أراضي الإمبراطورية البيزنطية في آسيا الصغرى.

عزم الإمبراطور البيزنطي رومانوس الرابع على وقف الخطر الإسلامي الجديد، ووضع حد للمد الإسلامي المتصاعد، مستغلًّا إنشغال السلطان ألب أرسلان في إخضاع بلاد الشام وخططه للزحف نحو مصر والقضاء على الدولة الفاطمية، وإنهاء حالة الانقسام السياسي والمذهبي في المنطقة، فحشد جيشًا ضخمًا مشكلًّا أغلبه من مرتزقة من أجناس مختلفة، على الرغم من ضخامة الجيش البيزنطي فإن تكونه من عناصر بشرية متباينة أفقدته الوحدة العسكرية، وعدم المقدرة على تلقي التعليمات والأوامر من قيادة واحدة بشكل سليم وسلس.

«تبالغ بعض المصادر التاريخية الإسلامية في ذكر عدد الجيش البيزنطي في هذه الحملة، فغالبية المصادر الإسلامية أخذت بالرواية الرسمية لمؤرخ السلطان السلجوقي فبالغت في تضخيم الجيش البيزنطي، وذكرت رقم 200 ألف مقاتل وأعطت بعض المصادر أرقامًا أكبر من هذا، في مقابل تحجيم عدد الجيش السلجوقي والرقم الذي تعطيه المصادر هو 15 ألف مقاتل، وذلك لتحيط هالة من المجد والبطولة بالمعركة، وكأن ما حدث بالفعل غير كافٍ. وهذه الأرقام من الصعب الأخذ بها دون بحث وتمحيص ومقارنة مع مختلف المصادر».

تحرك الإمبراطور بجيشه الضخم إلى نواحي أرمينيا ليواجه الجيش السلجوقي المعسكر بالقرب من مدينة ملاذكرت. حقق السلاجقة انتصارًا على مقدمة الجيش البيزنطي، لكن السلطان ألب أرسلان أدرك أنه أمام خطر داهم؛ فكان الجيش البيزنطى أكبر من جيشه بأكثر من ثلاثة أضعاف، لذلك أرسل في طلب الصلح من الإمبراطور البيزنطي، وكان الرد المتعجرف من الإمبراطور بأنه لا صلح إلا بمدينة الري عاصمة السلاجقة.
جهز السلطان ألب أرسلان جيشه للمعركة، وخطب في جنود خطبة عظيمة حثهم فيها على القتال من أجل الإسلام قائلًا: «من أراد الانصراف فلينصرف، ما ها هنا سلطان يأمر وينهي، إنني أقاتل محتسبًا صابرًا، فإن سلمت فنعمة من الله، عز وجل، وإن كانت الشهادة فهذا كفني».

وفي أغسطس (آب) من عام 1071 نشبت معركة من أهم المعارك في التاريخ عرفت باسم المنطقة التي وقعت فيها «موقعة ملاذكرت»، انتصر الجيش السلجوقي على الجيش البيزنطي وهزمه هزيمة ساحقة، بفضل ألوية الرماة الخيالة الذين ظلوا لساعات طويلة يمطرون الجيش البيزنطي بالسهام في موجات كر وفر متتالية، مما أدى إلى انفراط عقد الجيش البيزنطي الضخم وهروب غالبية فرق المرتزقة النورمان والأوروبين واليونانيين، وانضمام المرتزقة الأتراك في الجيش البيزنطي لجيش السلطان، وقام قلب الجيش السلجوقي المكون من مماليك السلطان وحرسه المدربين تدريبًا عالي الكفاءة بسحق القوات البيزنطية أثناء انسحابها، واستطاعوا أسر الإمبراطور البيزنطي رومانوس الرابع نفسه.

ويصف أحد القادة البيزنطيين الذين شهدوا المعركة ما حدث بقوله: «لقد كان الأمر يشبه الزلزال، صرخات في كل مكان، واندفاع أهوج من فرط الرعب، كانت أمواج من فرسان الأتراك في كل مكان».

النتائج المترتبة على المعركة

وصف ابن الجوزي النصر في ملاذكرد بقوله: «وهذا الفتح في الإسلام كان عجبًا لا نظير له».

عظمت مكانة الدولة السلجوقية وسلطانها ألب أرسلان في أنحاء العالم الإسلامي نتيجة لهذا النصر، واسترد السلاجقة كل المدن التي احتلها البيزنطيون في بلاد الشام.

وترتب على هذا النصر الحاسم أن أصبحت منطقة آسيا الصغرى «الأناضول» مفتوحة أمام هجرة قبائل الأتراك والأكراد المسلمين وبدأت عملية أسلمة الأناضول التي كانت بوابة العالم المسيحي الشرقية.

وكانت الهزيمة في ملاذكرد بمثابة كارثة على الإمبراطورية البيزنطية، فقد فقدت جيشها وتقلصت حدودها وأملاكها، وأصبحت الإمبراطورية البيزنطية في موضع الدفاع، وفقدت رهبتها وقوتها، وظل البيزنطيون لقرون ينعتونها بلفظ «اليوم الرهيب».

وأدت نتيجة هذه المعركة إلى استنجاد البيزنطيين بالغرب الأوروبي. وكانت استجابة الغرب الأوروبي لنداء البيزنطيين لنجدتهم من الخطر الإسلامي الذي هدد دفاعات العالم المسيحي الشرقية بالدعوة للحملات الصليبية، والتي تعد واحدة من أهم الأحداث في التاريخ العالمي.

ويصف المؤرخ جون ساندرز في كتابه تاريخ الإسلام في العصور الوسطى اندفاع السلاجقة الأتراك لمنطقة الشرق الأدنى الإسلامي، والانتصار في ملاذكرد ويقول: «كان دخول السلاجقة الأتراك إلى آسيا الغربية في النصف الثاني من القرن الحادي عشر الميلادي فاتحة حقبة من أهم حقب التاريخ العالمي، فقد أضاف أمة ثالثة إلى الأمم الممسكة بمصائر العالم الإسلامي، وأطال عمر الخلافة العباسية المحتضرة آنذاك مدة قرنين من الزمان، وانتزع آسيا الصغرى من العالم المسيحي، وجرت على مراحل أسلمة الأناضول، ومكن السنة من مواجهة المد الشيعي المتعاظم في منطقة الشرق الأدنى الإسلامي، وواجه البدعة الإسماعيلية، وإن أدى ذلك إلى استثارة الشيعة النزارية (الحشاشين) للقيام بأعمال انتقامية لقادة السلاجقة، وتحملوا عبء صد الهجوم الصليبي، وفتح الباب مستقبلًا أمام الوجود العثماني وغزواتهم داخل أوروبا كهجوم مضاد على الحملات الصليبية».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد