بينما يمر العالم الإسلامي بكل هذه الأحداث الأليمة التي تجمع بين خزي الحكام وخضوعهم وظلم الناس وقتلهم، دون وجه حق، تخرج لنا الدراما التركية بمسلسل قيامة أرطغرل المليء بالانتصارات والمجد والعز والشرف.

الحقيقة أنني لم أعره اهتمامًا في بداية الأمر، ولكن دون مقدمات وجدت الجميع يتحدث عنه وأصبحت أحداثه كأنها واقع ينتظرها الجميع بشغف وحماس وتوقعات وخوف وأمل وترقب.

رأيت منه بعض الحلقات لأعلم كيف يشغل مسلسل كهذا كل هذا الكم من الشباب الاسلامي خاصة.

أول ما أثارني أن المسلسل يزيد عن 300 حلقة تقريبًا وما زال الشباب يتابعون بنفس الحماس والشغف، ولكن عندما بدأت بمشاهدة بعض الحلقات وجدت أن المسلسل لا يمثل نصر أمة عربية ولا عزًا للدين أبدًا.

لاحظت في كل حلقاته أن البطل وهو من يطلق عليه (أرطغرل) وأبيه من قبل، يقسم بأجداده وأنه يفعل كل ما يفعل من أجل قبيلته وتقاليده وأعرافه وأجداده الأوجوز وقسمه قبل كل غزوة بالتحديد (ليكن قسمًا للخيل التي تجري بلا تمهل، ليكن قسمًا للخيل التي تخرج النار من تحت السنابك).

إنني إن خفت الموت من أجل قبيلتنا وفداءً لدولتنا ومن أجل تقاليدنا، فلأحصد بسيفي الفولاذي، وليكن جدي الأوجوز والقبيلة الشامخة خصمين لي يوم القيامة، وليكن الله عونًا لي في الغزوة التي خرجت إليها، وليكن جدي الخضر رفيقًا لي في هذا الطريق، وليكتب ليّ النصر) لا علينا من هذا الأمر فربما هذا خطأ في الترجمة، في مشهد آخر كان محارب أرطغرل يقول: (إني كالسهم لن أعود إلى القوس، إلا بأمر من سيدي لقد خُلقت لأحارب معه، ولن أموت إلا بأمر منه!).

من يشاهد المسلسل بعين الحق لا بعين المراهق الذي افتقد النصر وحرم منه فعندما رأه تُيم به حتى إن كان دراما لا أكثر فينبهر كطفل صغير أحضر له أبوه لعبة لم يعهد رؤيتها في بلده، فسيرى أن المقصود من المسلسل هو إظهار مجد الأتراك وعزهم وعدل خلافتهم وغيره… بعيدًا طبعًا عن التجاوز بين النساء والرجال باسم الدين والشرف والكرامة.

الإخوة الذين يعيشون مع بعضهم بمجرد أنهم تربوا سَوِيًّا فلا مانع من أي شيء بينهم !

أيضًا بمجرد خطبتها يحل وجودها في بيته في أي وقت وأي ساعه، كل هذه الأمور البسيطة التي نغفل عنها تمس الدين أيضًا، ولكن نعود لنقول هذه دراما لا أكثر. لا داعي لذكر كل الأخطاء الشرعية في المسلسل فهي بينة لكل عاقل.

لم أذكر هذه الأخطاء، إلا لأنني أعلم أن متابعي هذا المسلسل من الفصيل الإسلامي الذي يحرم المسلسلات ويبغضها. فما الفرق بينهم!

أردت بحديثي أن تعلم أنه مسلسل عادي فيه نفس المخالفات التي في كل المسلسلات… فلا تكن مراهق في مشاعرك فالإسلام له ضوابطه دون استثناءات.

أما بالنسبة لمجد الأتراك وعزهم فمسلسل كهذا كلفهم الكثير، فلما كل هذا! والله تكاليف مسلسل كهذا كانت كفيلة بإحياء مدينة في سوريا من جديد، إن لم تكن سوريا بأكملها!

نعود ونقول هذه نقودهم وهم أحرار بريقة إنفاقها.

أما الأمر الذي جعلني أكتب هذا المقال:

هو ما رأيته اليوم على مواقع التواصل الحقيقة أنا لا أعرف كل أحداث المسلسل ولم أتم متابعته، ولكن وجدت اليوم كل وسائل التواصل تتحدث عن قطع رأس رجلًا يُدعى (سعد الدين كوبيك)؛ لأنه كان خائنًا لدولة السلاجقة وكلب للمغول.

الأمر الذي أثارني هو تناقل المقطع الذي يحمل مشهد قطع رأسه! والجميع سعيد بهذا النصر الفظيع الذي لم نشهده من قبل!

نفس هؤلاء الأشخاص الذين تناقلوا المقطع هم الذين قالوا إن (داعش) غير أدميين لقطعهم رأس خائن أيضًا وسعد الدين ومن قطعت رأسهم (داعش) جميعهم كانوا يظهرون الإسلام! فلا أعلم الأن أيهم صحيح وعن أي نصر نتحدث، وهل إن كان ارطغرل بيننا اليوم كنا سنقول عنه بطل أم كافر مرتد خارجي تابع لداعش وأمثالها! لا أدافع عن داعش لأني لا أعلم عنها شيئًا ولا ارطغرل لأني لم أعهد زمنه، ولكن رأيت المشهدين متماثلين والرؤى مختلفة… فلتحيا الدراما إذًا ولننتظر مسلسلًا عن تحرير القدس فأقصى من نستطيع فعله هو مؤازرة بطل وهمي!

لكن على الحقيقة الجميع ينصب نفسه حاكم عليه حتى وإن لم يعرفه، أرطغرل الذي أظهر لنا مدى فراغ عقول شبابنا وانبهارهم بما يريد الإعلام أن يبهرهم به تحية خاصة، وشكرًا لك.

وأقسم لك إن كنت بيننا اليوم لاتُهمت بالكفر والردة، ولكنت حديث الإعلام صباح مساء وعلى رأس قائمة الإرهابيين.

في النهاية ما أردت قوله بهذا المقال أن أفيقوا ويكفي انتصارات وهمية.

التباهي والفخر يجب أن يكون بنصر أنت حققته، إن جلست تنتظر نهاية المسلسل فلن يتغير شيء في حياتك، ستظل الأمة كما هي والحال كما هو.

وفي النهاية تندب حظك وما أنت فيه من حياة مليئة بالظلم، فما الذي فعلته لتعيش بحرية! شاهدت مسلسل أرطغرل!

اترك الواقع وتحقيق الأمجاد للصادقين إذًا وانتظر مسلسل عن تحرير القدس ولا تسأل كيف يمضي العمر سريعًا، دون أن أحقق شيء لديني أو دنيايّ فأقصى ما تسطيع فعله مؤازرة بطل وهمي عبر الشاشات وندب الحظ ولعن القدر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد