من الوهلة الأولى، وفي خضم الأحداث المتسارعة في الشقيقة تركيا، تنقشع هذه السحابة لتتضح الأمور أكثر في انتظار بدء المحاكمات للمتورطين في هذا الانقلاب. لكن ما يلاحظ أن هذه التجربة، وما يترتب عنها من تبعات كانت مختلفة عما سبقها من انقلابات.

من وجهة نظر المتتبع العربي العادي يمكن القول إن المواطن التركي قد أبان عن نضج فكري ووعي سياسي غاية في السمو، لكن لم يكن لهذا أن يتأتى لو لم تجتمع مجموعة من العوامل المميزة للمثال التركي.

دور الدراما التركية

تمحورت كثير من الأعمال في هذا المجال عن فكرة وجود دولة موازية متغلغلة في كل مكونات السلطة وتواطؤ الأجهزة المخترقة لإدارة المؤامرات والاغتيالات وحبك الخطط لإحباط التجربة السياسية المكتسبة، وإجهاض الديمقراطية الحديثة التي حققت مكاسب عديدة للشعب التركي، بغض النظر عن اتفاقنا أو معارضتنا لسياسات أردوغان الداخلية منها أو الخارجية، لذلك كانت ردة الفعل السريعة من مختلف فئات المجتمع بالخروج للميادين خوفـًا على المكتسبات الاقتصادية، وتلبية لنداء أردوغان لإحباط المخطط الانقلابي.

الدولة الموازية

لا يختلف اثنان من المختصين في الشأن التركي على أن هذا الكيان الموازي حاضر بقوة في كل مفاصل الدولة التركية، والتاريخ حافل بالأحداث، لكن الشرخ الذي حصل بين أردوغان والداعية فتح الله كولن ذي النهج الليبرالي الإسلامي المتصوف مزج التصوف بالسياسة، فحارب حزب العدالة والتنمية ذا التوجه الإسلامي، وأيد العسكريين وتحالف مع العلمانيين، ورغم حملات التطهير التي قادها أردوغان لكنها لم تكن ذات عمق، وخصوصًا  في الجيش المتشبع بالعقيدة والنهج العلماني، وفي المقابل تم تطهير جهازي المخابرات والأمن العام بشقيه الذي ناصر الرئيس المنتخب منذ اللحظات الأولى، بل يرجع له الفضل في الوقوف ندَا لند أمام هذه المحاولة.

Facetime

في عصر الاتصالات والشبكات المميزة لقرننا الواحد والعشرين كان ظهور الرئيس على هذا التطبيق من خلال مكالمة مرئية مع مراسلة في قناة تركية محلية كافيًا لتمرير ندائه وتفعيل خطته التي راهن فيها على تحريك الجماهير والمناصرين وطمأنتهم وإحباط الروح المعنوية للعسكر الانقلابي، لكن يجب التذكير أن هذا التطبيق المتوفر لأجهزة Iphone، والذي يوفر التشفير الكامل للمكالمات مع الحفاظ على جودة الصوت «End-to-End Encryption» وفي الجهة المقابلة كان whatsapp هو أداة إصدار العسكر لأوامرهم والتخطيط المباشر على الأرض.

أردوغان والحالة التركية

فشل الانقلاب العسكري في تركيا لأن التجربة الديمقراطية باتت عميقة في البيئة التركية، وأثبتت نجاعتها، وأعطت أكلها من الاستقرار والأمن والنمو الاقتصادي، ووضعت البلاد في مصاف الدول الإقليمية العظمى، ولكن تركيا أردوغان بعد الانقلاب ستكون مختلفة عما قبلها، وستتغير حتمًا، وفقـًا لاعتبارات جديدة أطلت برأسها، وتفرض إرثها حتمًا في الأيام والأشهر المقبلة.

لا نتفق مع الآراء التي تقول بأن الرئيس أردوغان سيخرج أقوى من محاولة الانقلاب الفاشلة هذه، بل نعتقد أنه أضعف بكثير من أي وقت مضى، ولا نبالغ إذا قلنا إنه أدرك أن سياساته الأخيرة، الإقليمية والدولية، باتت تعطي نتائج عكسية، وتشكل خطرًا على تركيا؛ ولذلك قرر التراجع عن معظمها بالعودة إلى سياسة صفر مشاكل مع الجيران، وفتح قنوات حوار مع خصومه في سورية وروسيا والعراق ومصر، وإسرائيل، لامتصاص حالة الاحتقان، وتجنب الغضبين العسكري والشعبي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد