يعتبر الاقتصاد التركي أحد أبرز اقتصادات الدول الناشئة التي تحقق تطورًا ملحوظًا، فقد وصل الناتج القومي الإجمالي للاقتصاد التركي إلى قرابة تسعمائة مليار دولار وهو رقم مميز إذا ماتمت مقارنته بدول أخرى في المنطقة أو خارجها، حيث تبلغ حصة الفرد من الدخل القومي قرابة 14 ألف دولار أمريكي سنويًا وهو رقم عال نسبيًا.

ويحقق الاقتصاد التركي نسب نمو جيدة إذا ماتمت مقارنتها بدول أخرى، وقد بدا أن الاقتصاد التركي في طريقه إلى النهوض والتطور السريع، إلا أنه لاتزال بعض العقبات في طريقه تعيق تقدمه إلى مصاف الدول الكبرى، حيث إن أبرز المشاكل التي يعاني منها الاقتصاد التركي هو التضخم الذي تصارعت الحكومات المتعاقبة معها إلى أن تم التغلب عليها مؤخرًا بشكل جزئي إلا أنها لاتزال في حدود 10% مما يعني أنها مرتفعة نسبيًا حيث تؤثر هذه النسبة على ارتفاع الأسعار عمومًا على سكان تركيا وتأكل القيمة الشرائية مع مر الزمن.

وعلى مستوى المنطقة، يمكن مقارنة الاقتصاد التركي باقتصادات دول ذات ثقل سكاني وجغرافي كمصر وإيران وباكستان كما في الجدول الأتي:

إيران

باكستان

مصر

تركيا

المؤشر

80

195

95

80

إجمالي عدد السكان بالمليون نسمة

420

280

335

900

الناتج الإجمالي بمليارات الدولارات

5800

1200

2800

14 ألف

متوسط دخل الفرد بآلاف الدولارات

75

66

71

75

توقع عمر الفرد

-1.3 (سالب)

6%

4.3

4%

النمو الاقتصادي

3%

6%

5.8%

4%

توقعات النمو الاقتصاد المستقبلية

10%

4%

13%

10%

التضخم (ارتفاع مستوى الأسعار)

12%

6%

10%

10%

البطالة

33%

67.6%

100%

26%

نسبة الدين للدخل القومي

رابح

5.6

خاسر

3

خاسر

3

خاسر

5

صافي الميزان التجاري بمليارات الدولارات

المصدر: بيانات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، البيانات عن الأعوام 2017 وتوقعات2018.

من المقارنة أعلاه نجد أن الاقتصاد التركي أكبر بأضعاف من مثيلاته في دول المقارنة، وأن المواطن التركي يمتلك دخلًا سنويًا يفوق كل من المواطنين في مصر وإيران وباكستان، المواطن التركي يتمتع بمستوى حياة لابأس به من حيث التعليم والصحة كذلك إذا ماتم قياسه على المواطن المصري أو الباكستاني، وعلى جانب مقابل يواجه الاقتصاد التركي مشكلة البطالة، حيث ترتفع نسبة العاطلين عن العمل إلى عدد السكان لتصل إلى 10% وهو رقم مقبول إذا ماتمت مقارنته ببقية الدول في المنطقة إلا أنه رقم مرتفع جدًا بالمطلق، كذلك يتحمل الاقتصاد التركي نسبة فائدة على الدين تقدر بتسعة مليارات سنويًا حيث يبلغ الدين التركي حوالي ربع حجم الناتج القومي وهو رقم كبير أيضًا، ولكنه إذا ما قورن بالدول الموجودة في الجدول نجد أنه قليل نسبيًا حيث يبلغ في مصر 100% من قيمة ناتجها وفي باكستان ثلثي الإيراد.

وفي جانب السياسة النقدية والسياسة المالية نلاحظ أنه، انخفض سعر الليرة التركية مؤخرًا بشكل ملحوظ، إلا أن هذه الانخفاض ليس وليد الساعات الأخيرة التي ظهرت بكثافة على الإعلام، فسعر الليرة أخذ بالانخفاض منذ فترة زمنية طويلة ففي الشكل البياني الأتي نستطيع أن نلاحظ ارتفاع سعر الدولار الأميركي مقابل الليرة التركية حيث كل دولار كان يساوي ليرتين تقريبًا مطلع 2014 ثم ارتفع ليصل إلى قرابة خمسة ليرة لكل دولار، وهذا يعود لانخفاض مستمر في سعر الليرة التركية، والانخفاض الأخير ليس طفرة في السلسلة الزمنية على ما يبدو، إلا أن توقيته هو ما أثار المشكلة فيما يظهر.

يعتبر البنك المركزي التركي هو المسؤول الأول عن السياسة النقدية لتركيا، وهو يعمل من خلال أدواته لتحقيق عدة أهداف أبرزها الحفاظ على استقرار العملة وخفض التضخم والمساهمة في عملية التشغيل إضافة للمشاركة في تحقيق النمو الاقتصادي، وهو ما يعرف في الاقتصاد بـ(أهداف المربع الاقتصادي)، وعلى مايبدو فإن البنك البنك المركزي التركي نجح في تحقيق بعض أهدافه ولا يزال يسعى لتحسين النتائج، وإنا كنا لسنا بصدد تقييم سياسة البنك المركزي في ورقتنا هذه فإن ما يهمنا أن البنك المركزي التركي يمكن له من خلال سلطته القانونية أن يلعب دورًا مؤثرًا في سعر الليرة التركية هبوطًا أو صعودًا، وذلك من خلال:

وذلك عبر طرح عملات أجنبية في السوق لشراء الليرة التركية مما يرفع سعرها، ومن محاذير هذه الأداة أن يصرف المركزي احتياطه المخصص للاستيراد.

1. شراء الليرة التركية من الأسواق

(التدخل في السوق)

يبدو أن المركزي يفكر في هذه القضية، حيث برفع سعر الفائدة يمكن أن يسحب كميات كبيرة من الليرة مما يقلل المعروض منها ويساعد على رفع سعرها، إلا أن الرئيس التركي معارض لهذه السياسة فيما يبدو لأسباب تتعلق بنظرته إلى الفائدة، وهي وجهة نظر منطقية إلا أنها تحتاج لبرنامج عمل طويل الأمد وذو أبعاد تتعلق بالمناخ الاستثماري لتركيا، وعلى المركزي أن يحاول استخدام هذه الأداة وأن يكون حياديًا وفنيًا في قراراته بعيدًا عن تأثيرات أخرى.

2. رفع سعر الفائدة على الليرة

يستطيع المركزي التركي أن يفرض قوانين على عمليات صرف الليرة أو تحويلها أو اقراضها ويمكن له من خلال ذلك أن يحقق مكاسب لليرة التركية

3. استخدام سلطة القانون

فيما يتفرد المركزي التركي بالسياسة النقدية فإن وزارة المالية في الحكومة التركية تلعب الدور الرئيس فيه، وذلك بحسب دورها في الحكومة ككل، وتتمثل السياسة النقدية في إدارة موازنة الدولة أي نفقاتها وإيراداتها، حيث تبلغ عائدات الحكومة حوالي 600 مليار ليرة تركية إلا أن هذا الرقم لا يكفي لتغطية احتياجات تركية خاصة بعد توسع نفقاتها في قطاعات الجيش والمساندة الإنسانية خارج الحدود، إضافة إلى تمويل برامج البلديات التركية الطموحة والتي تحقق إنجازات عميقة وملحوظة، ولكن تكلفتها ليست بقليلة، كذلك تصرف الحكومة بتوسع ملحوظ على قطاع التعليم وتعزيز القطاع الأمني وخاصة بعد عملية الانقلاب، وقد ساهم الانقلاب الذي تم إحباطه قبل أقل من عامين في تقليص واردات الحكومة التركية، وخاصة في قطاع السياحة والضرائب، حيث لعب عدم الاستقرار في تقليص فرص الحصول على مزيد من الإيرادات.

الاقتصاد التركي وأي اقتصاد في العالم له مزاياها ومشاكله دائمًا، ولاشك أن مزايا وخصائص الاقتصاد التركي الإيجابية أخذة بالتقدم والتطور وتسير نحو تحسن ملحوظ على الرغم من التحديات التي تواجهها، والتخوف من الوضع الاقتصادي –حاليًا – في تركيا لا يعود لأسباب اقتصادية في معظمه، بل هو تخوف من عدم الاستقرار حيث المصير المجهول وحالة عدم اليقين التي تدخل البلد في ركود وترقب، ولاشك أن مرحلة ما بعد الانتخابات لن تكون كقبلها فمن المتوقع أن تدخل تركيا في حالة من الاستقرار تقود إلى التقدم والإنتاج وتساعد في تقليص معدلات التضخم وتحقيق نمو اقتصادي أكيد.

وللعوامل النفسية القادمة من الإعلام دور مهم في زعزعة الاقتصاد وخاصة سعر صرف العملة التي تتأثر بشكل لحظي بما يبث من شائعات وأخبار، وهذا الأمر سلاح ذو حدين؛ حيث يمكن الاستفادة منه من قبل الحكومة الحالية بتقوية الترابط مع الشعب، وتعزيز مساهمة المواطن في تقوية اقتصاد بلده.

وبالتالي: فإن على الحكومة القادمة في مرحلة ما بعد الانتخاب عبئًا كبير جراء التحديات التي يواجهها الاقتصاد التركي، ولعل أبرز الأعمال التي يجب التركيز عليها من قبل الحكومة هو استعادة الاستقرار في تركيا وإعطاء ضمانات لرجال الأعمال والسياح ورأب الصدع الناتج عن عمليات الاعتقال التي جرت بعد الانقلاب، هذا بالدرجة الأولى، وفي جانب آخر يجب على الحكومة العمل على تأمين موارد إضافية لنفقات الجيش والأمن، وذلك عبر تشجيع قطاع السياحة الواعد في تركيا وتشجيع الاستثمارات الأجنبية المتدفقة أصلًا إلى البلاد، إضافة لخلق بيئة مستقلة لعمل البنك المركزي التركي، إضافة إلى ضمان استقلال السياسة النقدية وتناغمها مع السياسة المالية؛ مما سيوفر فرصة كبيرة لإعادة استقرار سعر الصرف وتحقيق المزيد من النمو.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد