من المعروف أن ريادة الأعمال تسير في سوق مليء بالعقبات والمطبات، وكثير من أوقات الخسارة والربح، وكثير كثير من المنافسة القوية، كما يواجه الريادي مراحل الصعود والهبوط في منتجه أو خدمته، ويصل في أوقات إلى تربع عرش السوق، ولكنه قد يواجه الانتكاسات التي تفقده هذا العرش، ويحتاج دائمًا إلى تطوير منتجه/خدمته رغبة في الحصول على تأييد الزبائن، كما ويعمل على تقنيات التسويق المختلفة رغبة في الحصول على زبائن جدد لزيادة حصته السوقية. فهل يذكرك ما ذكرناه بشيء؟ هل يذكرك بأوجه التشابه مع الأحزاب السياسية التي تتنافس في الانتخابات المختلفة؟ هل يفتح ذلك الأفق لريادي الأعمال في الاستفادة مما حوله وخصوصًا من المنافسة بين الأحزاب السياسية في أوقات الانتخابات؟

تابعنا جميعًا الانتخابات التركية التي جرت في الأول من نوفمبر من هذا العام، وكان بعضنا متحمسًا لما ستؤول إليه هذه الانتخابات خصوصًا وأنها انتخابات إعادة تأتي في ظل منافسة شديدة بين الأحزاب السياسية، واستقطاب كبير لدى الناخبين، وخسارة الأغلبية البرلمانية لحزب العدالة والتنمية بعد تربعه على عرش السلطة منذ 13 عامًا، واضطرابات في الداخل التركي، وانسداد لأفق الشراكة السياسة، وحالة من الحاجة إلى الاستقرار.

كل هذه الظروف جعلت الكثيرين يتابعون هذه الانتخابات بشغف، واستخلاص الدروس الممكنة منها، فسنجد من سيستخلص الدروس السياسية منها، وآخرين يستخلصون الدروس الاقتصادية، ولأن ريادي الأعمال بطبيعة الحال هو إنسان مثقف وينظر حوله باستمرار لاستخلاص العبر والدروس والفائدة من كل ما يحيط به، فإنه وبلا شك سيكون له نظرة لهذه الانتخابات ولكن من ناحية ريادة الأعمال، فكيف ذلك؟

 

 

الخسارة لا تعني النهاية

 

 

الخسارة في مشوار المشروع الريادي لا تعتبر أبدًا نهاية الطريق، وليس من المنطقي أن تكون هذه الخسارة شمّاعة لعدم الانطلاق من جديد، بل إنه من المنطقي جدًّا أن يحدث التغيير بين ربح وخسارة والعكس، وليس من المنطقي أن تتوقع الربح الدائم، أو النجاح المتواصل، فهذا مدعاة للدّعة والراحة، وليس مدعاة للجد والمثابرة والتقييم ومعاودة التقييم في كل خطوة تخطوها.

إن حزب العدالة والتنمية خسر الأغلبية المطلقة في الانتخابات البرلمانية في شهر يونيو 2015، ولكننا وجدناه خلال الفترة الماضية وحتى انتخابات نوفمبر 2015 في جد واجتهاد وسباق مع الزمن للتقييم واستخلاص الدروس والعبر، حتى كانت النتيجة العودة إلى الصدارة وبالأغلبية التي تسمح له بتربع عرش الحكومة منفردًا من جديد، ما يعني العودة للنجاح الذي لازمه طيلة السنوات الماضية، وهذا ما تحتاجه يا ريادي الأعمال.

 

العمل الدؤوب

 

الراحة في الأعمال الريادية تعني السكون، وهذا سيؤدي إلى التلاشي شيئًا فشيئًا وأفول نجم مشروعك الريادي، بل ونشاطك بشكل عام. إن الراحة هنا نعني بها أن تركن لما حققته من إنجازات ونجاحات، وأن تركن لثقة الزبائن لخدمتك/منتجك، وأن تركن لخطتك التسويقية والاستراتيجية، وألا تحاول أن تقرأ المتغيرات من حولك، والمنتجات/الخدمات الجديدة التي تغزو الأسواق، والطرق المختلفة في الترويج والتسويق، إن هذه الراحة تعني اللاتجديد، وهو ما لا يتقاطع مع أهم مقومات المشاريع والأعمال الريادية ألا وهي العمل الدؤوب والمتواصل، والتطوير المستمر.

حزب العدالة والتنمية وبعد خسارته في انتخابات يونيو، اجتهد وثابر وعمل من أجل أن يعيد اكتساب ثقة الناخبين، ولم يركن لأسلوب واحد، بل جدّد وغيّر وقيّم، فزار المناطق والمدن المختلفة داخل تركيا، وأعاد صياغة برنامجه الانتخابي، وواصل مهرجاناته الحاشدة، وخطاباته الرنّانة، وغير أسماء نوابه في المدن، واختار من يراه الأصلح لهذا الواقع الذي يواجهه، كل هذا الذي فعله يعني بالضرورة أنه يعي أنه يخاطب رغبات ناخبين مختلفين ولكل واحد منهم رغبة يجب عليه أن يحققها، وهو ما تواجهه أيها الريادي في منتجك عند طرحه على الزبون.

 

 

اقتناص الفرص

 

 

جميع الرياديين يعرفون تحليل SWOT، وهو التحليل الأكثر شهرة لدى رياديي الأعمال، كونه يتناول البيئة الداخلية والخارجية للمشروع الريادي. إن من الجوانب التي يدرسها هذا التحليل هي الفرص المتاحة أمام المشروع لانطلاقه أو شهرته أو زيادة مبيعاته، هذه الفرص التي لا يكف ريادي الأعمال عن التفكير بها للحصول عليها بالأساليب الممكنة التي يرسمها لنفسه ولمشروعه فيما يعرف باستراتيجية اقتناص الفرص المتاحة وعلاقة ذلك بنقاط قوته وضعفه. إن المشروع الريادي من دون اقتناص الفرص لن يكتب له النجاح غالبًا، أو على الأقل لن يكتب له النمو، فبيئة العمل في المشاريع الريادية تختلف كليًّا عن بيئة العمل في المشاريع المتوسطة أو الكبيرة كالشركات، فبدون الفرص واقتناصها لا مجال لإيجاد قدم في سوق لا يخلو من المنافسة القوية.

لعب حزب العدالة والتنمية في تركيا على هذا الجانب، فوضع الاستراتيجيات لاستغلال الفرص، كاستغلال فرصة تعنت حزب الحركة القومية على شروطه في دخول ائتلاف حكومي معه، الأمر الذي وضع الحزب في نظر الأتراك في منظور الحزب المتعنت الذي لا يريد استقرار تركيا، بل وفي نظر أنصاره أيضًا، بالإضافة إلى استغلال الحزب أيضًا فرصة سكوت حزب الشعوب الديموقراطي عن الأعمال الإرهابية التي يقوم بها العمال الكردستاني في داخل تركيا، الأمر الذي صوّره وكأنه موافق على هذه الأعمال، الأمر الذي لا يرضاه الشعب لدولتهم ووطنهم.

لقد استغل الحزب أيضًا فرصة أن الشعب يريد الاستقرار، ويريد الاقتصاد خصوصًا من أولئك كبار السن ومتوسطي الدخل الذين يريدون لحياتهم الاقتصادية تقدمًا ورفاهية، فقرأ الرسالة جيدًا من انتخابات يونيو التي خسرها فتحدث في الاقتصاد مجددًا في برنامجه الانتخابي وأعاد لأذهان الشعب التركي بدايات الحزب المهتمة بتطوير الاقتصاد ورفاهية العيش لدى المواطنين، فأعادوا انتخابه لكل هذه الأسباب.

وبالتأكيد سيعيد الزبائن شراء منتجك/خدمتك أيها الريادي بعد أن تقوم باستغلال الفرص المتاحة أمامك لإعادة اكتساب ثقتهم بعد خسارتك ذات مرّة.

 

 

المراجعة المستمرة

 

 

ربما من نافلة القول الحديث هنا عن أهمية المراجعة المستمرة لكل شيء في المشاريع الريادية، فمن المعروف أن مثل هذه المشاريع تتمتع بديناميكية عالية من الحركة، والمناورة، والتغيير المستمر، الأمر الذي يتطلب بين فترة وأخرى (غالبًا سنة) المراجعة لواقع الشركة ومنتجاتها/خدمتها، وإمكانياتها، والفرص المتاحة أمامها، والتهديدات التي يمكن أن تتعرض لها، حتى يتم وضع الإستراتيجيات الواضحة للعمل في الفترة التي تلي فترة المراجعة.

إن خطوة المراجعة المستمرة تدخل في كل مراحل المشروع الريادي، فالريادي سيجد ضرورة المراجعة في الخطة التسويقية، وفي خط الإنتاج للمنتج/الخدمة، وفي التدفقات المالية، وفي طبيعة الزبائن، وفي جودة ما يقدمه، وفي سياساته المختلفة تجاه المتغيرات، كل هذا يجب أن تتم مراجعته بشكل مستمر كي يضمن الريادي تقدمه وتفوقه على منافسيه، ومن دون المراجعة على أسس واضحة وبلغة الأرقام لن يستطيع الريادي الاستمرار في ظل منافسة قوية وشرسة في مجاله.
هذا ما فعله حزب العدالة والتنمية، وربما قلنا سابقًا في هذا المقال ما يتناول هذا الجانب، بل إنه من المنطقي وبعد معرفتنا للنتيجة التي حصل عليها الحزب في انتخابات نوفمبر 2015 أن نتيقن بأن الحزب قام بمراجعة شاملة لكل شيء بدءا ببرنامجه الانتخابي، ونوابه المرشحون، وخطابه للناخبين، بل ربما مستقبلًا يكون وطبيعة إدارته للأمور.

 

 

العين دائما على النتيجة

 

 

أعجبني وأنا أتابع الانتخابات التركية الأخيرة، تقريرًا أعده مراسل قناة الجزيرة يلتقي فيه رئيس الوزراء التركي أحمد داوود اوغلو، وبعد الحديث عن الانتخابات ونشاطات الحزب قبلها، سأله المذيع “حكومة واحدة أو ائتلاف؟” فكان رد رئيس الوزراء سريعًا حاسمًا “حكومة واحدة”.

هذا المثل الذي أسوقه هنا، هو مثال حي لريادي الأعمال الذي يجب عليه أن تكون عينه دائمًا على النتيجة التي يريدها، بل والنتيجة الحتمية التي يجب أن يصل إليها ليواصل مشوار شركته الريادية ويواصل نجاحاته.

في المشاريع الريادية لا بد من الرؤية الواضحة والصريحة التي لا تقبل التأويل أو التفكير، ولا تقبل أنصاف الحلول، فالرؤية هي الطريق الذي يسير فيه الريادي ليحقق النجاح الذي يرسمه لنفسه، وهنا: لو كانت الرؤية مهزوزة، فإن الطريق لن يكون واضحًا، وبالتالي فإن الخطوات والأساليب لن تكون قوية لتوصله إلى النجاح المطلوب، والتربع على عرش المنتج/الخدمة، واكتساب ثقة الزبائن، وتحصيل المزيد من الأرباح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد