ما أتأمله اليوم الأحد هو فوز أردوغان في الانتخابات، وأتوقع حتى من مخالفية الموقف نفسه؛ إذ سيتيح هذا الفوز والتفويض الشعبي لأردوغان الفرصة ليعمل بقوة أكبر على بعض الملفات المهمة.
وبهذه المناسبة أوجه السؤال إلى جميع من يهاجم الرجل: هل تتمنون خسارته مقابل العَلمانيين والقوميين المتعصبين؟!
لا ننسى كيف كانت تركيا جحيمًا يُضطهد ويُحاربُ فيها المسلمون. ولا ننسى كيف بلغت القلوب الحناجر عندما حاول العسكر الإطاحة بأردوغان وكيف نزل الناس في الشوارع، نزل الأتراك والعرب وغيرهم وعلى اختلاف مشاربهم ليواجهوا الجيش بصدورٍ عارية. وما فعلوا ذلك إلا لأنهم فهموا جيدًا ماذا يعني تغول الجيش وعودته إلى السلطة ليهدم ويدمر.
فهل عودة العَلمانيين والقوميين وجر البلاد إلى التخلف والفقر والظلم خيار أفضل؟!
الآن وبعد أن تنفس الناس الصعداء في تركيا – بعد عقود طويلة من الظلم – وازدهرت الحياة فيها (بغض النظر عن الخلاف حول بعض مظاهر ذلك الازدهار) وتحولت إلى ملاذ وملجأ للمضطهدين في بلاد المسلمين؛ بعد ذلك كله ليس أمامنا سوى الوقوف خلف هذا التيار.
وعلينا الدفع والمطالبة بأن يُستثمر ما تحقق في تركيا ليكون خطوة نحو استقلال القرار السياسي والاقتصادي ولعب دور مركزي في قيادة الأمة الإسلامية ودول المنطقة والدفع باتجاه تكوين تحالفات اقتصادية وسياسية وعسكرية، تخرج بلداننا من حالة التشرذم والتفرق، وتحمل هم الأمة وأولوياتها.
لستُ مع الشخصنة ولا أريد أن يتوقف التغيير الحاصل في تركيا على شخص أردوغان، بل أتمنى ظهور قادة آخرين أيضًا وأن يكونوا قادرين على أخذ الأمور إلى المستويات التالية، وأن يكون ما حققه أردوغان خطوة في الطريق.
ولستُ أبرر أو أدافع، ولكنني على قناعة أن الدولة العميقة في تركيا لا تترك المجال لأي رئيس للتحرك في ملفّات مهمة ومصيرية مثل الموقف من سوريا والحلف العسكري مع الغرب وروسيا وتعويم الليرة وتغول المصارف الربوية.
إذًا فالمطلوب هنا هو تعزيز التوجه لحل الملفات المهمة والإعانة على مقاومة قوى الشد والدولة العميقة، بل تعزيز وجود قيادات جديدة تدفع دفعًا باتجاه البت في تلك القضايا وتجاوزها.
وافِقْ أردوغان أو اختلِفْ معه، ناقش، دافع وانتقد ولكن إياك أن يعميك الخلاف أو حتى التوافق عن الوقوف مع قضيتنا الأولى وهي عودة الأمة إلى وحدتها وعزها ونهضتها.
ولنا في التجربة المصرية الدروس والعبر، الرئيس مرسي – فك الله أسره – لم يتحقق له التمكين أو الحكم، ومع ذلك وقف البعض ضده بتشنج وتعصب فأعانوا المعتوه السيسي وصاروا معولًا استخدمه ذلك المعتوه وزمرته فأرجعوا البلاد ثلاثين سنة إلى الوراء، واعتقلوا الرأي والكلمة، وزجوا بخيرة الشباب في السجون ودمّروا البنية التحتية والاقتصاد.
ولذلك فلم يعد من المقبول تعامل بعض المخالفين لأردوغان مع المسألة وكأنه يمسك مقاليد الحكم بلا منازعة أو مقاومة. بل يواجه أي زعيم أمواجًا متلاطمة قد تؤدي به إلى العجز الكامل والإذعان بلا مقاومة لقوى الشد كما نرى في دولنا العربية والإسلامية. فقد أدى عجز زعماء البلدان العربية والإسلامية إلى ارتهان البلاد الكامل للمستعمر وتحولوا إلى أدوات له يبطش بها بأي تحرك شعبي نحو السيادة أو تحقيق أي مصلحة للبلاد.
بالمناسبة، قد لا يؤثر موقفي أو موقفك على نتيجة الانتخابات (والتي يبدو أنها محسومة لأردوغان)، ولكن سبب إثارتي للموضوع هو التأكيد والدفع باتجاه رأيٍ عام أتمنى أن نتوافق عليه.
وفيما سوى بعض الأصوات الناشزة هنا وهناك فإنني أرى وألمس بوضوح ذلك التيار وتوافق الناس عليه؛ إن وقوف عشرات الملايين مع تقدم التجربة التركية هو أكبر من الشخوص والأحزاب والخلافات والأخطاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد