شهدت سياسة تركيا الخارجية تحولات جذرية، عملت على إعادة تعريف موقع تركيا  ودورها في المنطقة والعالم، فمع تسلم حزب العدالة والتنمية الحكم عام 2002 أتاحت لها  تحقيق الصعود الإقليمي، وهذا ضمن رؤية العمق الإستراتيجي وسياسة تصفير المشكلات والنزاعات  التي صاغها  أحمد داوود أوغلو، وتم البدء في تطبيقها عام 2002.

وتهدف السياسة الخارجية التركية توسيع حيزها ليشمل الشرق والغرب الشمال والجنوب لتتحول من دولة هامشية إلى دولة حاسمة من الناحية الجيوبولتيكية، ومن خلال ذلك تسعى تركيا في تحقيق الإستراتيجية الكبرى للبلاد بالتحول إلى قوة عالمية مؤثرة بحلول عام 2023، حيث تصبح لاعبًا مؤثرًا على الصعيد العالمي، ضمن لائحة أقوى 10 دول اقتصاديًا، حيث يلعب الاقتصاد دور مهم ومحوري، تسعي تركيا من خلاله تقوية علاقاتها الاقتصادية مع  الشركاء الإقليميين.

موقع سوريا بالنسبة لتركيا

تكمن أهمية سوريا جيوستراتيجيا بالنسبة لتركيا، فهي تشكل محور الأساس لسياسة تركيا علي الصعيدين، الأول مرتبط بالسياسة التركية  الشرق متوسطية وتوازناتها،حيث يشكل مثلث تركيا- سوريا – مصر توازنات خط شرق المتوسط والآخر مرتبط بالسياسة التركية في الشرق الأوسط ضمن الإستراتيجية الكبري لها، تحتل سوريا موقع متميز  بالنسبة لتركيا فهي البوابة المفتوحة علي جنوب تركيا، ويمثل هذا الموقع أهمية كبرى قي المجال الاقتصادي الذي يتيح الإمكانية اللازمة لإقامة علاقات وثيقة ومتميزة في مجالات الزراعة والتجارة والنقل، وتعتبر سوريا ممرًا رئيسًا للبضائع التركية إلى العالم العربي، خصوصًا إلي الخليج، وتحتل سوريا بموقعها الإستراتيجي في منطقة الهلال الخصيب أهمية كبرى، وخصوصًا  في المشروعين التركي والإيراني وتتمتع بأبواب جغرافية مفتوحة على أبعاد جيو سياسية متباعدة.

الدور التركي في الأزمة السورية

 بالرغم من التحديات والمخاطر الناجمة عن تطورات الربيع العربي، إلا أن الحكومة التركية رأت في تلك الأحداث فرصة لها من أجل رفع مكانتها ومستوي تأثير سياستها الخارجية ودورها في المنطقة، فقد رأى صناع القرار السياسي في تركيا أن تعتمد النهج المؤيد للتحول الديمقراطي في الدول التي شهدت تغيير وتدعيم علاقاتها ومكانتها من النظم السياسية الجديدة في تلك الدول، وسعت الحكومة التركية منذ اندلاع الثورات ونجاحها في إسقاط النظم السياسية الحاكمة في دولها قدمت نفسها كداعم إقليمي للتوجهات الديمقراطية في المنطقة عبر تجربتها الإصلاحية، يكمن أن تعد تجربة رائدة تصلح لتحقيق التغييرات الديمقراطية في الشرق الأوسط.

  تعتبر الثورة السورية الأهم والأكثر تعقيدا بالنسبة للحكومة التركية نظرًا لعدة عوامل:

1- الجوار  الجغرافي بين البلدين وأهمية موقع سوريا بالنسبة لتركيا في منطقة الشرق الأوسط.

2- العلاقات المتينة بين البلدين التي جمعت القيادات التركية مع الرئيس السوري بشار الأسد منذ عام 2000.

3- التنافس الإقليمي بين تركيا وإيران علي صياغة وتشكيل مستقبل  المنطقة وموقفها من الثورات العربية بشل عام والثورة السورية بشكل خاص.

بالرغم من التفاعل التركي مع الثورات التي حدثت في بعض الدول العربية بشكل عام، إلا أن الثورة السورية مثلت حالة خاصة بالنسبة للحكومة التركية وارتبطت بالعديد من الاعتبارات الداخلية والخارجية، وجاء التحرك التركي تجاه سوريا بحذر شديد، فالعلاقات التركية مع سوريا بالغة الحساسية والأهمية، حيث تعتبر سوريا ركيزة الدبلوماسية التركية في منطقة الشرق الأوسط. وبدأ الموقف التركي إيجابيًا تجاه الأزمة، ثم اتسم بالتصاعد التدريجي، اعتقادًا منه التأثير في النظام ودفعه نحو التغيير باعتبار أن الأزمة السورية شأن داخلي وحاولت تفادي الأحداث بعد ارتفاع حدة التصادمات بين الجيش والمعارضة من خلال مطالبة النظام السوري بإجراء تغييرات دستورية وسياسية جوهرية.

وبعد حدوث الأزمة السورية ورفض النظام السوري الاستجابة للمطالب الإصلاحية الداخلية بناءا على الطلب التركي، تحول الموقف تدريجيًا للفتور والتوتر في العلاقات بين الطرفين، فوقفت تركيا ضد النظام وأيدت المعارضة، وفتحت الأبواب أمام اللاجئين، وقامت بفرض حظر تسلح أمام تزويد النظام السوري بالسلاح وأغلقت المعابر البرية والجوية أمام النظام وفرضت عقوبات مالية علي الأسد وعائلته، وبالرغم من فشل تركيا بالضغط علي الأسد لإيجاد حل سياسي والعمل على تغيير تعامله مع الأزمة، أسهم ذلك خروج تركيا من معادلة التأثير في سوريا وحدثت القطيعة مع النظام، ومن ثم تبين أن الأزمة السورية انعكست على تركيا، وأصبحت تشكل ارتباكًا للجانب التركي، الذي وجد نفسه أمام تحديات قد تعصف بكل استثماراته السياسية والاقتصادية في سوريا، وارتبط مأزق الموقف التركي بالمشكلات الأمنية التي قد تترتب علي زيادة المواجهات في سوريا.

 فقد أدت الأزمة السورية إلى إحداث آثار اقتصادية سلبية وسياسية خطيرة على تركيا تتمثل في الآتي:

1- خسارة سوريا كحليف وسوق اقتصادي واستثماري وبوابة دخول اقتصادية وسياسية لدول المنطقة العربية.

2- انهيار فكرة مشروع التكامل الاقتصادي بين تركيا والعالم العربي.

3- أدت الأزمة إلى بروز التحدي الكردي في العلاقات بين البلدين.

4- أثبت الأزمة السورية محدودية تأثير القوة الناعمة التركية بشكل كبير وفشل كافة المحاولات في التأثير على النظام وإجراء إصلاحات وتلبية مطالب المتظاهرين.

5- إعادة تدعيم علاقاتها بالغرب بعد توترها مع دول الجوار الإقليمي إيران والعراق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

أحمد داوود أوغلو ، العمق الإستراتيجي : موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية ، ترجمة محمد جابر ثاجي وطارق عبدالجليل ، بيروت ،الدار العربية للعلوم ،2010.
مروان قبلان ، الأبعاد الجيو ستراتيجية للسياستين الإيرانية والتركية حيال سوريا ، خلفيات الثورة دراسات سورية ، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ، بيروت ،2013.
أركان إبراهيم عدوان ، أثار وانعكاسات الربيع العربي والأزمة السورية علي تركيا ، مجلة المستنصرية للدراسات العربية والدولية ، العراق ، العدد 47 ،2014.
عرض التعليقات
تحميل المزيد