دار الجدال حول الحقوق المدنية وحقوق الإنسان في تركيا بعد بدء مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. تعد تركيا دولة كبيرة يزيد عدد سكانها عن ٨٠ مليون نسمة، وهي حليفة ذو سلطة للعالم الغربي.

 

كما أن لتركيا جيشًا من أقوى وأحدث جيوش العالم، وقد لعب الجيش دورًا كبيرًا منذ تأسيس الدولة الحديثة على يد “أتاتورك” في العشرينيات.

 

ما زال الجيش التركي يلعب دورًا سياسيًّا داخليًّا مهمًا – وهذا بالرغم من إصرار “أتاتورك” على فصل الجيش عن الحياة السياسية. يرى الجيش نفسه حارس قيم أتاتورك والدليلّ على ذلك التاريخ الذي شهد بضعة انقلابات في العقود الماضية وأيضًا ما يسميه الخبراء “انقلاب ما بعد الحداثة” (عام ١٩٩٧)، أي الانقلاب دون تدخل مباشر من الجيش بل استخدام الضغط الشديد على السياسيين الإسلامين وإجبارهم على تقديم الاستقالة. يحظى الجيش بتقدير الشعب أكثر من أي مؤسسة أخرى في تركيا. فقضية الجيش خاصة في تركيا معقدة للغاية.

 

هناك من يدعون أن الجيش يدافع عن ويحمي “قيم أتاتورك” لا سيما العلمانية منها التحديث والتغريب في المؤسسات، ونظام التحكم والتجارة والصناعة… إلخ. وهناك من يدعون أن الجيش يحبط سير الحياة اليومية والسياسية وتطويرها بشكل ديمقراطي وطبيعي. على الأرجح الاثنان على حق.

 

تاريخيًّا كان الجيش التركي العامل الأكبر في تحديث وتغريب الدولة، وينص الدستور التركي على العلمانية وحمايتها ولكن مع مفاوضات الانضمام للاتحاد الأوروبي أزال البرلمان الحقوق والواجبات الدستورية لمجلس الأمن القومي التركي إلى حد ما؛ مما دعا جريدة “فينانشيال تايمز” إلى تسمية آخر حزمة الإصلاحات التي تمت تشريعها في ٢٠٠٣ بـ”انقلاب هادئ”.

 

– مما سمح ببزوغ نجم “أردوغان” والتيار الإسلامي الجديد في تركيا في الـ١٥ عامًا الأخيرة وسط هذه الحالة المتزعزعة بين الشعب والجيش والواقع التركي لمدة نصف قرن. يؤمن الكثير بكيان “الدولة العميقة” -وهي مجموعة من التحالفات المتألفة من النُخَب الحاكمة، عسكريًّا بشكل أساسي ولكن أيضًا تجاريًّا والقضاء والفهم الذاتي أن الدولة ”على حافة هاوية ما” وعلى هذه النخب حمايتها.

 

قال الجنرال “سيفيك بير” الذي قاد “انقلاب ما بعد الحداثة” (عام ١٩٩٧):

 

“لدينا في تركيا الزواج بين الدين الإسلامي والديمقراطية (…) طفل هذا الزواج هو العلمانية. قد يمرض هذا الطفل من آن لآخر. القوات المسلحة التركية هي الطبيب الذي ينقذ الطفل. اعتمادًا على شدة مرض الطفل – فيقوم بوصف العقاقير الضرورية للتأكد من تعافي الطفل”.

 

إزاحة دور الجيش في الحياة السياسية التركية -وكان دور الجيش أكبر حاجز للانضمام- مكّنت برلمان أردوغان وزملاءه من تنفيذ رؤيتهم، وتخسر تركيا بأية حال. الجيش يمنع الحقوق المدنية بطريقة خارقة للقانون وبطريقة عشوائية، ويلغي أردوغان نفس الحقوق بشكل شرعي عبر البرلمان ويعاني المواطنون تحت وطأة الاثنين على حد السواء.

 

أقول: “كان الجيش أكبر حاجز” لكنه لم يعد الحاجز الأكبر – الآن لا بد من أن شخصية أردوغان نفسه أكبر عائق، ومحاولته لتحويل الهوية التركية من الهوية الوطنية – وهي أيضًا مثيرة للجدل في أوروبا- للهوية الإسلامية والتي تخافها أوروبا أكثر. مدّ أردوغان اليد أيضًا للأكراد خلال هذه الهوية الجديدة التي ما زال الرئيس “أردوغان” يقوم ببنائها.

 

للأسف الشديد برأي البعض في أوروبا أنه لم يفشل وليس من المحتمل أن يستقيل أو أن يسأم من الحياة السياسية قريبًا -قد اتّهم بأنه يحاول الانفراد وتحويل الدولة إلى ملعبه الشخصي وبذلك وُلد ديكتاتور جديد مثل الرئيس الروسي بوتين – الذي اتّهم بنفس الاتهامات- ما زال يتمتع بشعبية واسعة بين الشعب لسخط السياسيين في أوروبا.

 

فيبقي السؤال فيما إذا أردوغان ديكتاتور أو لا؟ وهل هو فعلًا أسوأ من الجيش التركي. من الواضح أنه لم ولن تظهر إجابة جلية فالمسألة وإجابتها تعتمد على الميل الديني والسياسي. ويعرف الأتراك ذلك – لأنهم لا يريدون تدخل الجيش بأي ثمن كان، لأن تكلفة عودة دور الجيش للسياسة قد تزيد عن تكلفة تحمُّل أردوغان وزحفه على الحريات الشخصية.

 

تتحرك المعارضة بحيطة وتسكت لأنها تعرف أنها ليست بديلًا سياسيًّا الآن -ليس لديها قائد قوي يمكنه توحيد المعارضة- وأيضًا بسبب العقبات الذي يطبقها نظام أردوغان.

 

وأخيرًا، على الاتحاد الأوربي والشعوب الأوربية أن تأخذ بالاعتبار كل هذه العوامل بالنسبة لانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، وهذا من دون التطرق لدور تركيا في الأزمة السورية والعلاقة المزعومة بين تركيا وداعش وتنظيمات إرهابية مختلفة غيرها، وهو موضوع أكبر مما يمكننا أن نتكلم عنه في هذه المقالة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تركيا
عرض التعليقات
تحميل المزيد