وقع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مذكرتي تفاهم مع رئيس الوزراء الليبي فايز السراج.

منذ عام 2007 جرت مفاوضات بين أنقرة وطرابلس حول تنظيم العلاقة الأمنية البحرية بين البلدين والتي توقفت في 2014 نتيجة الأحداث التي مرت بها ليبيا عقب الإطاحة بالنظام السابق، وما لبثت أن استأنفت عام 2018 مع الحكومة الشرعية في ليبيا، وتكلل الإتفاق بالنجاح نهاية الشهر الماضي نوفمبر (تشرين الثاني) عندما وقع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مذكرتي تفاهم مع رئيس الوزراء الليبي فايز السراج.

هدفت المذكرة الثانية إلى تحقيق تعاون أمني وعسكري بين أنقرة وطرابلس والعمل على تشجيع التبادل الاقتصادي والمعلوماتي، لأجل ضمان تحقيق المذكرة الأولى التي شكلت ضربة قوية للدول التي تحمل عداوة سياسية مع تركيا إلى جانب المتضررين من توقيع مثل هذه الاتفاقية، حيث هدفت إلى ترسيم الحدود البحرية بين الدولة التركية والليبية وتحديد مناطق النفوذ البحرية، من أجل حماية حقوق البلدين النابعة من القانون الدولي كما تحدثت الخارجية التركية.

يرى المعارضون لهذه الاتفاقية أنها تلامس إلى حد ما اتفاق الشراكة بين مصر وإسرائيل وقبرص اليونانية لإستخراج الغاز من شرق البحر المتوسط ويهدد تنفيذ الخطة المزعومة بإقامة خط غاز يمر بجزيرة كريت اليونانية إلى إيطاليا وأوروبا.

واتهمته مصر بأنه اتفاق غير شرعي وفقًا لاتفاق الصخيرات الذي ينص على أن مجلس رئاسة الوزراء الليبي ككل يملك صلاحية عقد اتفاقات دولية، وليس رئيس المجلس منفردًا.

وترى اليونان أنه إتفاق مناف للعقل من الناحية الجغرافية لأنه يتجاهل وجود جزيرة كريت اليونانية بين الساحلين التركي والليبي وانتهاكًا للقانون الدولي البحري حيث تنتهك تركيا الجرف القاري اليوناني جنوب جزيرة كريت التي لا تعترف تركيا بوجودها أصلًا.

فيما أكّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنّ هذا الاتفاق ينسجم بشكل كامل مع القانون البحري الدولي، وفي المقابل ترى ليبيا بأنه اتفاق في مصلحة الشعب الليبي بشكل كامل.

أصل الحكاية

منذ اكتشاف الموارد الهيدروكربونية في شرقي البحر المتوسط شرعت الدول في المنطقة إلى تحديد نفوذها البحري، في تلك الآونة قامت قبرص الرومية بتجاهل حقوق الأتراك القبارصة وأبرمت اتفاقية تحديد الحدود مع مصر ولبنان وإسرائيل وهو ما رفضته تركيا ورأت فيه انتهاكًا صارخًا لحقوق القبارصة الأتراك إلى جانب انتهاكه لحقوق الجرف القاري التركي.

وكما نشرت وكالة الأناضول التركية فإن قبرص الرومية عمدت في اتفاقياتها المبرمة مع دول المنطقة حول تحديد الحدود من منطلق قانون «المسافة المتساوية»، الذي يتبع في بلدان اليابسة، وليس في الجزر والبحار فلا يمكن استخدام هذا القانون في تحديد حدود الجرف القاري، بل يجب الاعتماد على قانون التقاسم العادل وفقًا للقانون الدولي.

فاعتماد اليونان على قانون المسافة المتساوية جعلها تتمكن من الاستيلاء على مسطحات مائية واسعة من المفترض أن تستفيد منه الدول المحيطة، وليس اليونان فقط.

إلى جانب استغلالها حالة الفوضى التي ضربت ليبيا بعد سقوط نظام القذافي فاستولت على مساحات كبيرة من المسطحات البحرية الليبية جنوب جزيرة كريت تقدر بـ93 ألف كم مربع مما يمنحها إمكانية الاستيلاء على كل احتياطيات الطاقة المكتشفة في محيط جزيرة كريت وفرض سيطرتها على حيّز جغرافي كبير من الحدود البحرية الليبية.

حاولت تركيا على مدار سنين طويلة التوصل إلى اتفاق مع الدولة الليبية لإيقاف اختلال التوازن في البحر الأبيض المتوسط وإيقاف النهب والتعدي على خيرات الدول الأخرى بمنطق القوة والعربدة، لكن الأحداث التي عصفت في البلاد حالت دون تحقيق الاتفاق، في المقابل كانت التفاهمات مستمرة بين مصر واليونان وقبرص وإسرائيل ولبنان ومصر حيث تم عقد ثلاث إتفاقيات فيما يتعلق بتقسيم المناطق الاقتصادية البحرية بينهم وإتمام مشروع اقتصادي مشترك يهدف إلى تأسيس سوق لبيع الغاز الطبيعي، وفرض طوق بحري لا يتعدى 41 ألف كم مربع في البحر الأبيض المتوسط يسعى لحبس تركيا وحرمانها من التنقيب عن حقول الغاز والنفط في شرق البحر الأبيض المتوسط.

فكان الرد العملي الأول من تركيا هو توقيع الاتفاق التركي الليبي الذي يهدف إلى ترسيم الحدود البحرية مستندة إلى قانون التقاسم العادل، ونسف الخطط الرامية إلى عزل تركيا.

لأجل ذلك اشتاط غضب اليونان وأعلنت رفضها للاتفاق حتى قبل معرفتها تفاصيله واتهمت تركيا بالتعدي على سيادة دول أخرى وقامت على إثرها بطرد السفير الليبي من بلادها.

إن نجاح هذا الاتفاق يكون قد حقق لتركيا إمكانية امتلاك مصدر للطاقة يسد العجز الذي تعاني منه، فاستنادًا لبعض التقارير أكدت أن إجمالي احتياطيات النِّفْط والغاز في شرق المتوسط يلبِّي احتياجات تركيا لما يصل إلى 570 عامًا، وتقع مجمل هذه الاحتياطيات في المياه الإقليمية لتركيا ودولة شمال قبرص.

إلى جانب أنه حقق لحكومة الوفاق الليبية وجود داعم قوي كتركيا بجوارها بشكل رسمي يمكنها من مواجهة قوات حفتر المتمردة والمدعومة من اليونان ومصر والإمارات إلى جانب الاستفادة من حقول النفط والغاز في الحدود البحرية التابعة لها بعيدًا عن غطرسة اليونان.

في النهاية إن عرف السبب بطل العجب، فبعد أن اتضح أن هذا الاتفاق يفسد لعبة اليونان، ومكر بعض الدول لتركيا، ومساعيها لعزلها وتقويض قوتها يعرف سبب الانزعاج الكبير الذي أصابها، فعلى قدر الألم يكن الصراخ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد