تعد تركيا إحدى الدول المتأثرة في الأزمة السورية بحكم حدودها مع سوريا، فالأزمة السورية أثرت في تركيا من جوانب عديدة، كالجانب الاجتماعي، والذي يكمن في وجود ما يقارب 4 ملايين لاجئ سوري على الأراضي التركية، والجانب الأمني، وهو الأكثر أهمية بالنسبة لتركيا؛ فهي تسعى جاهدة إلى إبعاد الصراع والتهديدات عن حدودها، أما الجانب الأخير فهو الجانب الاقتصادي؛ فحماية الحدود التركية مع سوريا وإبعاد المنظمات الإرهابية ومكافحتها يستنزف الكثير من المبالغ، وهذا من شأنه أن يؤثر سلبًا في الاقتصاد التركي[i].

وفيما يخص الموقف التركي تجاه الأزمة السورية، فقد كان متقلبًا بعض الشيء؛ إذ إن الموقف التركي تجاه الأزمة السورية تحكمه معطيات عدة، ومن هذه المعطيات:

أولًا: ما يدور في الواقع السوري؛ أي الأطراف الموجودة في الميدان السوري، وتقسيماتها، وأهدافها.

ثانيًا: الموقف التركي الداخلي، ونعني بذلك مواقف الأحزاب التركية الداخلية، والرأي العام التركي.

ثالثًا: المواقف الدولية تجاه الأزمة السورية، وبالأخص الدول العظمى.

هذه المعطيات الثلاثة هي التي يقوم على أساسها الموقف التركي تجاه الأزمة السورية[ii].

لقد بدأت المواقف التركية تجاه الأزمة السورية بالضغط والتوصيات للنظام السوري بإحداث إصلاحات جذرية وحقيقية، ولكن النظام السوري فشل بإحداث هذه الإصلاحات، ومن هنا تغير الموقف التركي، وأصبح داعمًا للمعارضة من أجل إسقاط نظام الأسد، وكان الدعم التركي للمعارضة على مستويات عدة، كالإعلامي، والسياسي، والإغاثي، واللوجستي، وحتى العسكري، وساهمت تركيا أيضًا في تشكيل اعتراف دولي بالمعارضة السورية السياسية التي قدمت لها الدعم. وبعد ذلك عاد الموقف التركي ليتخلى عن شعار إسقاط الأسد، وتوجه نحو القبول بالحل السياسي، فأصبحت أولوياتها تتمحور حول حماية حدودها وأمنها القومي[iii]، وهذا كان دفعًا لها للقيام بعدة تدخلات عسكرية ميدانية في الأراضي السورية، وكانت هذه التدخلات على النحو الآتي:

أولًا: عملية درع الفرات:

عملية درع الفرات هي أول عملية عسكرية تركية على الأراضي السورية بتاريخ 24 أغسطس (آب) 2016، وهدفت هذه العملية إلى استعادة مدينة جرابلس السورية من قبضة تنظيم الدولة؛ فهذه المدينة القريبة من الحدود التركية والواقعة على الضفة الغربية لنهر الفرات، كانت آخر مدينة حدودية تحت سيطرة تنظيم الدولة، وأصبحت فيما بعد تحت سيطرة المعارضة السورية، وهذا من شأنه أن يمنع قوات سوريا الديمقراطية من الاستيلاء عليها وضمها إلى مدينة منبج، التي تبعد 36 كم جنوب جرابلس؛ فمنبج هي مدينة انتزعتها قوات سوريا الديمقراطية من أيادي تنظيم الدولة، ومن ثم أخذت في التوسع في الشمال السوري، وبالأخص في كانتوني وكوباني وعفرين.

وقد حققت عملية درع الفرات جملة من الأهداف، كان أهمها تطهير الحدود من الإرهابيين، وبالأخص حزب العمال الكردستاني (pkk)، وزيادة أمن الحدود التركية، ومنع حدوث موجة نزوح جديدة، وكانت هذه العملية بمثابة خطوة أولى لخلق منطقة آمنة داخل الأراضي السورية[iv].

ثانيًا: عملية غصن الزيتون:

تُعد هذه العملية الثانية للجيش التركي داخل الحدود السورية، بالاشتراك مع قوات المعارضة السورية؛ إذ انطلقت هذه العملية في 20 يناير (كانون الثاني) 2018، وقد هدفت هذه العملية إلى محاربة الإرهابيين من (PKK) و(YPG) وقد استطاعت بالفعل، إذ قامت القوات التركية بقصف العديد من مواقع هذه التنظيمات الإرهابية والسيطرة على العديد من المواقع الاستراتيجية في المنطقة، ومن أهمها جبل بورصايا الذي كان الإرهابيون يستهدفون من قمته المدنيين في ولاية كليس التركية، والمدنيين الموجودين في مدينة إعزاز السورية، وهي منطقة خاضعة لسيطرة قوات المعارضة السورية وفي صباح يوم 18 مارس (آذار) 2018 بسطت القوات التركية وقوات المعارضة السورية سيطرتها على مركز مدينة عفرين، وكان من اهم النتائج التي حققتها عملية غصن الزيتون القضاء على الإرهابيين في المنطقة، وبدأت عودة سكان المنطقة إلى ديارهم عقب انتهاء العملية، كما قد عملت تركيا على دعم عفرين في العديد من المجالات الحيوية لتسيير أمور المدنيين واحتياجاتهم اليومية[v].

ثالثًا: عملية نبع السلام:

عملية نبع السلام وهي العملية العسكرية الثالثة للقوات التركية بالاشتراك مع قوات المعارضة السورية على الأراضي السورية في الشمال، وهذه العملية لم تكن مفاجئة بل كانت حتمية بعد أن صرحت تركيا مرارًا عن هذه العملية والتجهيز لها، إن عملية نبع السلام كانت واجبة على تركيا من أجل الحفاظ على أمن حدودها من التنظيم الإرهابي (PKK) والتنظيمات التابعة له بعد أن عادت من جديد لتشكل خطرًا على الأمن القومي التركي، وعلى غرار حماية تركيا لحدودها نستذكر أن هناك اتفاقية قديمة وقعت عام 1998 بين الحكومة التركية ونظيرتها السورية، تنص على عدم السماح لتنظيم (PKK) بالانطلاق من الأراضي السورية، وتعطي الحق لتركيا بملاحقة الارهابيين داخل الاراضي السورية حتى عمق خمسة كيلومترات، واتخاذ التدابير اللازمة، إذا تعرض أمنها القومي لخطر.

أما الآن، وفي ظل عدم الاستقرار في سوريا، فإنه يتوجب على تركيا اتخاذ التدابير اللازمة لحماية حدودها، والحفاظ على أمنها القومي، وهذا ما قد أجمع عليه سياسو تركيا، وبالأخص أحزاب المعارضة، على الرغم من التكلفة التي ستدفعها تركيا من جراء هذه العملية.

إن عملية نبع السلام ليست حربًا على الأكراد كما تناقلته بعض من الوسائل الإعلامية، وليست هادفة إلى تقسيم الأراضي السورية، إنما هي حرب على التنظيمات الإرهابية التي تقتل وتروع المدنيين، وتجند القاصرين لتحقيق أهدافها الإجرامية، إن الأكراد جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي التركي، وهم موجودون في جميع مؤسسات الدولة وعلى جميع المستويات، وكما أنهم أيضًا موجودون في الجيش التركي والجيش الوطني السوري، وهذا دليل على أن العملية تسعى أيضًا لمصلحة الأكراد؛ فهم أحد المتضررين من هذه التنظيمات الدموية[vi].

لقد حظيت عملية نبع السلام بالإدانة على المستوى الإقليمي والدولي؛ إذ طالبت الدول الأوروبية الأعضاء بمجلس الأمن من تركيا وقف العملية، وأعلنت بعض الدول العربية إدانتها لعملية نبع السلام، وما كان من الرئيس التركي إلا أن هدد بفتح أبواب أوروبا أمام ملايين اللاجئين في تركيا ردًّا على الانتقادات، مما دفع أمريكا والدول الأوروبية للسعي بفرض عقوبات على تركيا، ولكن تركيا لم تكترث لتهديداتهم وواصلت عمليتها حتى أتمت السيطرة على مدينة (التل الأبيض) كاملة.

فيما بعد عرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن بمقدور إدارته الوساطة بين تركيا والمسلحين الأكراد، ولكن مثل هكذا عرض لا يمكن أن يحدث، فكيف لدولة كتركيا أن تقبل بتفاوض مع منظمة تصنفها إرهابية، فهذا بمثابة رضوخ لها.

واصلت تركيا عملياتها متجاهلة الإدارة الأمريكية، مما دفع الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات جديدة على تركيا، وما لبثت هذه العقوبات حتى أعلنت الإدارة الأمريكية أنها أوفدت وفدًا برئاسة نائب الرئيس الأمريكي إلى أنقرة لبحث سبل وقف عملية نبع السلام، بعد أن سيطرت القوات التركية وقوات المعارضة السورية على مدينتي التل الأبيض ورأس العين، و11 قرية تحيط بهما؛ أي بمعنى أن الإدارة الأمريكية استجابت لإرادة تركيا[vii].

في يوم الخميس 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 جرى التوصل إلى اتفاق تركي أمريكي بشأن عملية نبع السلام، إذ توقفت عملية نبع السلام بشرط سحب الإدارة الأمريكية جميع العقوبات المفروضة على تركيا، والالتزام بحماية مناطق الناتو وسكان الناتو من جميع التهديدات، والالتزام بحماية حقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب، والتأكيد على وحدة سوريا السياسية ووحدة أراضيها، كما اتفق الجانبان أيضًا على تأسيس منطقة آمنة لمنع تهديد الأمن القومي التركي. إن ما سبق هو جملة من البنود التي نصت عليها الاتفاقية ما بين الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا[viii].

ومن وجهة نظري فإن التدخل العسكري التركي في سوريا حقق مصالح الأمن القومي التركي، وخدم مصالح السوريين، وسعى في محاربة تنظيم الـ(PKK) الإرهابي وتفرعاته، وحقق وجود منطقة آمنة للسوريين من شأنها أن تمكنهم من العيش دون وجود تهديد لحياتهم، والحد من وجود اللاجئين السوريين في تركيا.

إنما ما دار على الأراضي السورية في الفترة الأخيرة من أحداث فيه الكثير من التضارب والمفارقة؛ فقد أدانت الدول العربية التدخل العسكري التركي في سوريا، والذي كان يهدف إلى الحفاظ على الأمن القومي التركي، وإبعاد الخطر الإرهابي عن الحدود التركية ومكافحته، في حين أن هذه الدول لم تدن التدخلات الروسية والأمريكية والغارات التي يقومون بها على الأراضي السورية بحجة مكافحة الإرهاب.

ومن منظور آخر هناك أسئلة لا بد من طرحها، وهي هل قوة عظمى كأمريكا وروسيا بكل ما يمتلكان من جاهزية عسكرية وقوة، عاجزتان عن إنهاء حركات إرهابية؟ أم أن وجود هذه الحركات يخدم مصالحهم؟ أم أن هذه الحركات ذريعة تستخدم لتحقيق مصالح معينة للدول الداعمة لها وبحجة مكافحتها تعطي الحق لنفسها بتدخلات؟

أعتقد أنه ليس هناك إرادة جدية في مكافحة الإرهاب، وأكبر دليل على ذلك الدعم الذي قدمته إسرائيل للأكراد و(PKK). وهذا يدل على أن هناك سعيًا واضحًا لاستمرار وجود الفوضى في سوريا خاصة، وفي الشرق الأوسط عامة؛ فوجود الفوضى وخلق الأزمات يعد مصدرًا لجني المكاسب بالنسبة للدول العظمى، من خلال صفقات بيع السلاح والمعدات وتجربتها، واستعراض القوة، إذ إن قطبيات العالم تثبت قوتها وهيمنتها عن طريق استعراض القوة وفرض الهيمنة في الدول الملتهبة والسيطرة عليها؛ أي إنهم يرون الدول التي تحتوي الأزمات ميدانًا جيدًا لهم.

إن التدخل العسكري التركي وأهدافه في خلق منطقة آمنة للسوريين، ومكافحة التنظيمات الإرهابية من شأنه أن يحل جزءًا من الأزمة، على الأقل في الشمال السوري، فمن وجهة نظري أرى أن تركيا ذات مصلحة مشتركة مع السوريين، وتسعى بجد لحل الأزمة، على الأقل في المناطق المجاورة لحدودها، فهي ليست كغيرها تتظاهر بحل الأزمة، فمصلحتها وأمنها القومي يكمن في وجود منطقة آمنة بالقرب من حدودها.

ومن منظور آخر، وعلى ضوء العقوبات الأمريكية المفروضة على تركيا، أرى أن هناك محاولة أمريكية للسيطرة أو لتطويع القرار التركي، سواء عن طريق فرض العقوبات، أم عن طريق الاتفاق الودي، وأن التدخل التركي الأخير في سوريا كان بمثابة فرصة لأمريكا لتحقيق ذلك، وبالأخص بعد صفقات الأسلحة ما بين روسيا وتركيا؛ أي إنهم يعدون سوريا ميدانًا لتصفية حساباتهم.

وفي الختام نسأل الله العلي القدير أن يحفظ سوريا وأهلها، وأن يعم السلام الشرق الأوسط.


[i] الحاج، سعيد،(2019)، تركيا والأزمة السورية ملامح مرحلة جديدة، الجزيرة، https://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2016/12/26/تركيا-والأزمة-السورية-ملامح-مرحلة-جديدة

[ii] رغم الهجوم الأخير تركيا لا ترغب في التورط بالحرب الدائرة بسوريا، الوسط، 5 تشرين الأول/أكتوبر 2012://:http www.alwasatnews.com/news/706521.html

[iii] الحاج، سعيد،(2016)، محددات السياسة الخارجية التركية إزاء سوريا، مركز إدراك للدراسات والاستشارات.

[iv] درع الفرات عملية عسكرية متعددة الأهداف والجبهات، موقع الجزيرة، https://www.aljazeera.net/encyclopedia/military/2016/9/5/درع-الفرات-عملية-عسكرية-متعددة-الأهداف-والجبهات

[v] عام على «غصن الزيتون».. أهالي عفرين ينعمون بالأمن والاستقرار، الأناضول، https://www.aa.com.tr/ar/التقارير/عام-على-غصن-الزيتون-أهالي-عفرين-ينعمون-بالأمن-والاستقرار/1369443

[vi] المبارك، صالح،(2019)، حقائق وأقاويل حول عملية «نبع السلام»، موقع عربي21، https://arabi21.com/story/1215046/حقائق-وأقاويل-حول-عملية-نبع-السلام

[vii] تطورات عملية «نبع السلام» التركية في سوريا يوما بيوم، موقع الجزيرة، https://www.aljazeera.net/news/politics/2019/10/17/تركيا-سوريا-أردوغان-نبع-السلام

[viii] تضمَّن 13 بندًا.. إليك نص وتفاصيل الاتفاق التركي– الأمريكي بشأن «وقف إطلاق النار» في سوريا، عرب بوست، https://arabicpost.net/الأخبار/2019/10/20/مكاتب-الصرافة-الإيرانية-المغلقة-في-دب/

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد