حقيقة الأصل

كثيرًا ما أثار تساؤلي الاختلاف الكبير في الشكل بين أتراك الأناضول، أو آسيا الصغرى «تركيا حاليًا» ذوي الملامح الأورومتوسطية مع أبناء موطنهم الأصلي من الترك في آسيا الوسطى ذوي الملامح الآسيوية، لكن ما تبين لي أن هناك ما يسمى الترك الشرقيين، وهم الإيغور في مقاطعة تركستان الشرقية المحتلة من قبل الصين والكازاخ والقرغيز والأوزبك في جمهوريات آسيا الوسطى، والتتر في سيبريا، وترك غربيين وهم الأوغوز في تركمانستان، وقد سماهم العرب بالتركمان؛ أي ترك إيمان، لتتحول فيما بعد إلى تركمان لسهولة اللفظ، وهم أول من أسلم من الشعوب التركية عند وصول الفتح الإسلامي إلى تلك المنطقة، ومن هؤلاء الأوغوز أتى السلاجقة والأذريون والعثمانيون خلال هجرات متلاحقة من تركمانستان في غربي آسيا الوسطى إلى بلاد فارس والقوقاز والأناضول والعراق والشام، وهم يعدون اليوم أهم فرع من الفروع التي ينتسب إليها الترك؛ بسبب النفوذ والقوة التي حصلوا عليها بعد إسلامهم وتأسيسهم دولاً قوية، كالسلاجقة والعثمانيين، مما جعل بعض شعوب تلك المناطق تستترك عبر الزمن وتصبح تركية باستعمالها اللغة التركية، والعادات التركية كونهم أبناء دين واحد، أو حتى من خلال الحروب والفتوحات، إذ أسلم جزء من الروم وأهل البلقان واستتركوا طواعية، أو بالسبي الذي حصل بين العثمانيين والبيزنطيين من سكان آسيا الصغرى والبلقان وحتى أوروبا الشرقية عمومًا.

الاختلاط الحاصل

الجدير بالذكر أن الأوغوز أو ما يسمى اليوم بالتركمان، ليسوا ذوي ملامح آسيوية قوية، حتى في بلدهم الأصلي؛ لأن الترك في الحقيقة شعب أوروآسيوي؛ فهم يتشابهون مع الجنسين في الوقت نفسه، فتجد عندهم العيون المقطبة قليلاً وزرقاء في الوقت نفسه، وطولهم ليس بقصر سكان شرق آسيا ولا بطول سكان أوروبا، أما لونهم فهو أبيض مع مسحة صفرة ليست بشدة صفار الآسيويين في الشرق، وكون الأوغوز يقطنون الجزء الغربي الجنوبي من آسيا الوسطى؛ فقد اختلطوا بسكان القوقاز والفرس والعرب والكرد والأرمن عند الهجرة غربًا، ومن هاجر إلى الأناضول منهم اختلط بالأوروبيين أيضًا، وهذا ما جعلهم أكثر ميلاً في الشكل إلى سكان تلك المناطق، حتى إن دراسة جينية أثبتت أن ربع سكان تركيا تعود أصولهم لآسيا الوسطى فقط، أما الترك الشرقيون من باقي الفروع فقد اختلطوا بسكان شرق آسيا من الصينيين والمغول خلال الاجتياح المغولي، وهو ما جعلهم أقرب إلى العرق المنغولي، وربما مثله تمامًا، وهذا ما جعل بعض علماء الأجناس برأيي يجعلون المغول والترك من جنس واحد، بل أدخلوا حتى المجريين والفنلنديين في هذا التصنيف! المسمى الجنس الطوراني بسبب الهجرات والغزوات التي قام بها الترك قديمًا قبل الإسلام من آسيا الوسطى تجاه شرق أوروبا.

فعلى الرغم من العداوات والحروب العديدة بين الترك والمغول تاريخيًّا، فإن هذا لا يمنع أن يكون المغول والترك وبعض شعوب أوروبا الشرقية أبناء عمومة، كونهم أحفاد يافث بن نوح عليه السلام أبي الشعوب الأوروآسيوية، ويقال إن يافث هذا كان أشقر مشربًا بالحمرة، والاحتمال الأكبر أن زوجته كانت ذات شكل آسيوي، وهذا ما جعل أحد أبنائه يحمل صفات العرقين، وهو توغرما بن يافث أبو الترك، أما غومار فهو أبو الأوروبيين من العرق الأبيض، وماغوغ أبو الآسيويين من العرق الأصفر.

الأمر نفسه ينطبق على أبناء سام من شعوب المتوسط كالعرب والعبرانيين والآراميين… إلخ؛ فهم أبناء عمومة، ووفقًا لعلم الجينات أيضًا حوالي 38٪ من سكان سوريا تعود أصولهم إلى الجزيرة العربية لكنهم بقوا العنصر الأكبر، أما الباقي فتوزعوا بين السريان الآراميين الذين أسلم جزء منهم واستعرب عبر الزمن، والفينيقيين والترك والفرس والكرد والروم والفرنجة أيضًا بسبب الحروب الصليبية.

الكذبة

من هنا نرى أنه لا يوجد شعب صافي العرق، لكن ما يزعج هو محاولة بعضهم التفرقة بين العرب والترك المسلمين، والخوص في غمار التاريخ للبحث عن الاختلافات بين الجانبين «كون العرب حكموا المنطقة والديار المقدسة في النصف الأول من تاريخ الإسلام ممثلين بالأمويين والعباسيين، والترك حكموا في النصف الثاني ممثلين بالمماليك والعثمانيين»، خاصة من قبل المستشرقين الغربيين كي يعمقوا الشرخ الذي ظهر بعد الحرب العالمية الأولى، وانتشار فكرة القومية التي تشكلت من انصهار شعوب مختلفة في كل منطقة معينة، واستخدام تلك الشعوب اللغة نفسها والعادات بمرور الزمن؛ فقام أتاتورك وأتباعه بتحقير العرب ووصفهم بالبدو الرعاع، كما يقول الغرب، في المقابل قام الناصريون والأحزاب القومية التي حكمت المشرق العربي بمعاداة الترك ووصفهم بأقذع الأوصاف بأنهم قساة ومجرمون، ونسيان القرون الثلاثة الأولى من تاريخ العثمانيين والتركيز على القرن الأخير، تمامًا كما شوه الغرب تاريخهم!

هذه العباءة القومية التي نفرت الكرد، وجعلت بعض التركمان في سوريا ينسبون إلى العرب بعد أن سدت الأبواب في وجههم، ونسبت كل الأمجاد إلى العرب، أما السريان فقد اختاروا الصمت أمام هذا التيار القومي الجارف كونهم أقلية دينية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اتراك, اصول, تركيا
عرض التعليقات
تحميل المزيد