سادت حالة من التشفي والفرحة داخل أوساط النخب السياسية والإعلامية المصرية بنتائج الانتخابات البرلمانية التركية الأخيرة، التي فقد فيها حزب العدالة والتنمية الحاكم الأغلبية المطلقة التي تمكنه من تشكيل الحكومة التركية بشكل منفرد، ولكنه ظل محتفظـًا بالأكثرية الكبيرة التي تمكنه من عرقلة أية سياسات يكون من شأنها إقصاء حزب العدالة والتنمية من المشهد السياسي التركي إذ استحوذ حزب العدالة والتنمية على نسبة 40% من مقاعد البرلمان التركي.

وحالة التشفي هذه ليست المرة الأولى التي تتشفى فيها النخب السياسية والإعلامية المصرية في نتائج انتخابات؛ فقد سبقتها الانتخابات التونسية بشقيها الرئاسي والبرلماني في خريف 2014 والتي أسفرت عن فوز قايد باجي السبسي بمنصب رئيس الجمهورية وفوز حزبه نداء تونس بالأكثرية البرلمانية بنسبة 39% وتلاها حركة النهضة بـ 31% من مقاعد البرلمان التونسي، يومها قامت الأفراح في المحافل السياسية والإعلامية المصرية بسقوط حركة النهضة الموالية للإخوان المسلمين في مصر، معتبرين نتائج تلك الانتخابات انتصارًا عظيمًا للنظام السياسي المصري، وأن ما حدث في الثالث من يوليو 2013 في مصر حيث اعتبر عزل محمد مرسى تمهيدًا لإسقاط حركة النهضة التونسية.

وتم التغافل سواء عن عمد أم عن جهل للعديد من المتغيرات الهامة في الداخل التونسي أهمها أن نتائج الانتخابات لم تسفر عن فائز حقيقي؛ حيث إن حزب الأكثرية نداء تونس لم يحقق سوى 39% من المقاعد البرلمانية، وهي نسبة في الحقيقة لا تمكنه من تشكيل الحكومة بمفرده، وكما أن حزب نداء تونس في حد ذاته يعد ائتلافـًا مجمعـًا يضم العديد من الأطياف السياسية التونسية من أنصار حزب التجمع السابق إلى بعض اليساريين الناقمين على حكم حركة النهضة التونسية إلى بعض البراجماتيين وأصحاب المصالح في تونس أي أن الحزب ليس كتلة سياسية واحدة إنما كتل متفرقة لعبت شخصية السبسي دورًا كبيرًا في تجميعها وتشكيل الحركة، وفي النهاية أسفرت العملية السياسية عن استبعاد فكرة الاستقطابات السياسية والاتفاق على تشكيل ائتلاف حزبي موسع ضم نداء تونس وحركة النهضة والاتحاد الوطني الحر وحزب آفاق تونس.

ويمكن القول بأن أغلب تعليقات وتحليلات الدوائر السياسية والإعلامية المصرية ركزت على نقطتين، أولهما الشماتة في سقوط النهضة في تونس ثانيهما إبراز التباين بين تجربتي الإخوان المسلمين في كل من مصر وتونس، ففي النقطة الأولى اعتبر بعضهم أن حركة النهضة دفعت ثمن مواقفها وتأييدها لجماعة الإخوان المسلمين في مصر وأن ما حدث في تونس عبارة عن زلزال آخر يهز جماعة الإخوان المسلمين في تونس وتشبيه الانتخابات التونسية بأنها معركة مميتة أُفنيت فيها جماعة الإخوان المسلمين في تونس.

أما النقطة الثانية فركزت على إبراز التباين بين جماعة الإخوان المسلمين وحركة النهضة التونسية فعادة ما وُصفت حركة النهضة بأنها أكثر ذكاءً من جماعة الإخوان المسلمين وأنها نجحت في تجنب المصير المصري الجزائري، وفي النهاية اُعتبر الكثير أن هزيمة الحركة في تونس بمثابة رصاصة الرحمة التي أُطلقت على تيار الإسلام السياسي.

وها نحن الآن بعد ستة شهور من الانتخابات التونسية ما زال نفس المنهج في تحليل الانتخابات يُسيطر على فكر النخبة المصرية حيث الفرح والتشفي في سقوط الأنظمة والأحزاب المعبرة عن تيار الإسلام السياسي، حيث انبرى الإعلام المصري في التهليل فرحًا بنتائج الانتخابات التركية وتراجع نسبة حزب العدالة والتنمية المقرب من الإخوان في تركيا إلى ما دون النسبة التي تمكنه من تشكيل الحكومة بشكل منفرد والاحتفاء بشكل كبير بحزب الشعوب الديموقراطية ورئيسه صلاح الدين دميرطاش وتصوير نتائج الانتخابات البرلمانية الخيرة في تركيا بأنها نهاية الاستبداد السياسي والفاشية الأردوغانية في تركيا.

وبالمقارنة بين نتائج الانتخابات البرلمانية التركية والانتخابات البرلمانية التونسية نجد أن حزب العدالة والتنمية حاز على نسبة تعلو قليلاً النسبة التي حاز عليها حزب نداء تونس بواقع 1% ورغم التقارب الشديد بين النسبتين نجد أن الإعلام المصري أفرد مساحات واسعة للاحتفال بحزب نداء تونس واصفـًا فوزه في الانتخابات بالانتصار التاريخي، وعلى العكس من هذا نجد أن الإعلام أفرد أيضًا مساحات كبيرة للفرح والشماتة في عدم حصول حزب العدالة والتنمية على الأغلبية المطلقة، إلا أنه احتفظ بالأكثرية داخل البرلمان الجديد في تركيا، وفي السياق نفسه احتفل الإعلام المصري بسقوط حركة النهضة في تونس رغم أنها حازت على المركز الثاني في الانتخابات التونسية بنسبة 31% واعتبر هذا هزيمة مذلة للحركة وعقابـًا لها على تأييد جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وعلى العكس من هذا نجد ترحيبًا كبيرًا من المثقفين والإعلامين بالتقدم الذى أحرزه حزب الشعوب الديمقراطي في تركيا، رغم أنه حل رابعًا بنسبة لا تتجاوز 13%، ويرجع السبب في ارتفاع شعبية الحزب في الأوساط المصرية إلى تبنى الحزب ورئيسه خطـًا معاديًا لرجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية.

واعتبر كثير من المحللين السياسيين أن نتائج الانتخابات البرلمانية التركية الأخيرة تمثل منعطفـًا خطيرًا؛ حيث إنه بناء على نتائجها سيتم إعادة ترتيب كثير من المشكلات والقضايا الداخلية والإقليمية، فمما لا شك فيه أن نتائج الانتخابات الأخيرة – التي تمثلت في تراجع التأييد لحزب العدالة والتنمية (توجه إسلامي) وثبات التأييد لحزب الشعب الجمهوري (توجه علماني)، كما أن حزب الشعوب الديمقراطية (توجه يساري كردي) مَثل الحصان الأسود في الانتخابات عندما تخطى العتبة الانتخابية وحصوله على نسبة 13% من الأصوات، ومعاداته الصريحة لحزب العدالة والتنمية والرئيس التركي رجب طيب أردوغان – غيرت كثيرًا من الخطط والطموحات التي كان ينوى النظام السياسي التركي تنفيذها سواء على المستوى الوطني أم على المستوى الإقليمي، لذا يجب بناء تحليلاتنا للانتخابات التركية على العديد من المعايير الموضوعية والابتعاد عن لهجات التشفي والغل والحقد المكنون لحزب العدالة والتنمية، فمثلاً كان يجب التركيز على الديناميات السياسية التي أفرزت النتائج الأخيرة.

فهل كانت حقـًا تراجع لشعبية أردوغان كما يروج معارضوه؟ أم أنها كانت بسبب فقدان الصوت الإسلامي الكردي لصالح أول حزب كردي يندمج في العملية السياسية التركية، وكذلك طبيعة التحولات السياسية والدستورية الأخيرة التي حاول رجب طيب أردوغان إدخالها في النظام السياسي التركي ومدى تأثر المصالح المصرية والإقليمية بطبيعة تلك التحولات.

وبالنظر إلى المصالح المصرية والإقليمية نجد منها ما يتعلق بالثورة السورية؛ حيث تعد تركيا من أهم الدول الداعمة للثورة السورية ودعم الفصائل السورية المختلفة سواء أكانت إسلامية أم غيرها مثل الدعم المقدم للجبهة الإسلامية بقيادة زهران علوش الذي استضافته تركيا في أبريل الماضي من أجل التنسيق وتوحيد أطراف المعارضة السورية وخاصة الإسلامية منها؛ لذا يجب أن ينصب تحليلنا للانتخابات التركية على الموقف التركي القادم من الثورة السورية خاصة أن حزبي الشعب الجمهوري والشعوب الديمقراطي لا يؤيدان الثورة السورية ويريان ضرورة الخروج التركي من سوريا وإعادة اللاجئين السوريين؛ حيث تتحمل تركيا مسئولية أكثر من 700 ألف لاجئ سوري داخل أراضيها.

كما يتداخل موضوع آخر أكثر أهمية مع الانتخابات ألا وهو وضع الأكراد في المنطقة، فهل من الممكن أن نشهد دولة كردستان في الفترة المقبلة خاصة بعد تقدم قوات البشمركة ونجاحها في دحر تنظيم الدولة الإسلامية في عين العرب كوباني والصعود السياسي في تركيا المتمثل في حزب الشعوب الديمقراطي، كما أن نتائج الانتخابات البرلمانية سوف يكون لها تأثير على الأوضاع السياسية في مصر؛ فحالة العداء والقطيعة بين النظامين المصري والتركي بسبب توفير تركيا ملاذًا آمنـًا لجماعة الإخوان المسلمين المناهضة للنظام السياسي المصري، فحتمًا بدأ الآن الكلام يدور حول الخروج الثاني للإخوان المسلمين بعد خروجهم الأول من قطر؛ لذا يجب تحليل الانتخابات من منطلق بحث مستقبل جماعة الإخوان المسلمين.

وفي النهاية إن ما حدث في تركيا وفي تونس سابقـًا يعد طورًا من أطوار الديمقراطية التي يتم فيها تبادل السلطة بشكل سلمي بعيدًا عن حالات التداول غير السلمي للسلطة، وكثيرًا ما ينطبق المثل الشعبي القائل “فاقد الشيء لا يعطيه” على النهج المصري في التعامل مع الانتخابات، سواء أكانت في تركيا أم في تونس فتلك دول نجحت في تخطي كثير من التجارب والتحديات الديمقراطية، أما نحن في مصر فمنذ حل البرلمان في يونيو 2012 أي بعد ستة أشهر من انتخابه بسبب مساوئ في قانون الانتخابات فشلنا أكثر من مرة في إصدار قانون للانتخابات البرلمانية خاليًا من المساوئ والعيوب الدستورية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد