مخطئ من يعتقد أن الصراع الإيراني التركي في الشرق الأوسط صراع معاصر يدور حول مصالح حيوية للبلدين, فالحديث عن الصراع طويل ومتجذر في التاريخ، فنحن نتحدث عن عشرات القرون من الصراعات والتي تتجدد بتوالي الأنظمة المختلفة والسلطات الحاكمة في كلا الدولتين، إما لأسباب سياسية أو عقائدية أو قومية, وعندما نتحدث عن إيران أو تركيا فنحن نتحدث عن إمبراطوريتين عظيمتين ليس في الشرق الأوسط فقط، بل في العالم. فلقد سبق لهما الهيمنة على مساحات شاسعة وواسعة توازي عشرات الدول بالمقياس المعاصر لفترات طويلة من الزمن, ولقد حدثت معارك عديدة بينهما على مدار قرون طويلة نظرًا لتداخل حدودهما الجغرافية، وكذا مناطق نفوذهما.

قبل الميلاد بخمسة قرون، ومع قيام الإمبراطورية الفارسية الأخمينية التي قامت بالتوسع بدءًا من إيران لتشمل بقية البلدان المحاذية للإقليم الفارسي, حيث قامت الجيوش الفارسية بالسيطرة على العراق.

ونظرًا لحاجتها لتوسيع نفودها قامت بغزو الأناضول (تركيا الحالية)، وامتدت أراضيها إلى مقدونيا في قلب أوروبا، أما شرقًا فقد امتدت هذه الإمبراطورية إلى وادي السند في باكستان هذا ناهيك عن سيطرتها على الشام, وفلسطين, ومصر، وشرق الجزيرة العربية, ولم تسقط هذه الإمبراطورية إلا عند اجتياحها من طرف الإسكندر المقدوني الذي قضى على الحكم الأخميني الفارسي، وضم أراضيها تحت نفوذه المباشر, وبعد وفاته تم تقسيم الإمبراطورية المقدونية بين قادته إلى دويلات صغيرة, ففي الطرف التركي توسع الرومان ليصلوا إلى الأناضول ليتم تأسيس الإمبراطورية البيزنطية، والتي كانت امتدادًا للرومان بصبغة تركية.

ومع وصول قسطنطين إلى السلطة قام بتأسيس مدينة القسطنطينية (إسطنبول الحالية) والتي أصبحت فيما بعد عاصمة الأرثوذوكس المسيحيين بفعل تسامح الرومان مع المسيحيين بعد إقرار مرسوم ميلانو.

أما في الطرف الفارسي فقد كان العقيدة الوثنية هي العقيدة السائدة, ومع ظهور الساسانيين بدأت صفحة جديدة من الصراعات بين الساسانيين والبيزنطيين، والتي كانت في معظمها حروب بالوكالة، خصوصًا في المناطق العربية, ولم تنتهِ إلا بعد سقوط الساسانيين في معركة القادسية على يد العرب المسلمين، بالإضافة إلى انحسار نفوذ البيزنطيين إلى جبال طوروس في جنوب شرق الأناضول, وسيطرة القوات الإسلامية على مصر مرورًا بالشام وفلسطين في عهد الخلفاء الراشدين.
بعد ظهور الإسلام امتدت الفتوحات الإسلامية من الصين شرقًا وحتى الأندلس غربًا حيث دخلت شعوب عديدة في الدين الإسلامي بما فيهم الفرس والأتراك، وأصبح العرب هم المسيطرين على المشهد السياسي والعسكري في الشرق الأوسط لزمن طويل, ووصلت الفتوحات الإسلامية قمتها في العهد العباسي, لكن سرعان ما دب الضعف في الدولة العباسية بالتوازي مع النهضة الفارسية, والتي برزت من خلال البويهيين الفرس، والذين استطاعوا السيطرة على فارس والعراق, وفي سنة 945م استطاعوا السيطرة على بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية آنذاك وأعلنوا الحماية عن الخلافة الإسلامية، وأصبحوا الحكام الحقيقيين للدولة العباسية, ولم يمضِ الكثير حتى ظهر السلاجقة الأتراك واصطدموا مع الفرس البويهيين، لكن هذه المرة بصبغة دينية, فالبويهيون الفرس كانت عقيدتهم شيعية، والأتراك السلاجقة كانت لهم عقيدة سنية, ووقعت معارك عديدة بين الطرفين.

ولم تنتهِ سوى بانتصار السلاجقة ودخولهم إلى بغداد في عام 1055 م، والقضاء على الدولة البويهية، ثم إعلان الحماية عن الخلافة الإسلامية في بغداد, لكن هذه المرة تحت نفوذ السلاجقة, بيد أن هذا لم يدم طويلًا؛ فبعد ثلاثة قرون سقطت الدولة السلجوقية إبان الغزوات المغولية للشرق الأوسط.

بعد الاجتياح المغولي قام المماليك بصد الغزو المغولي بانتصارهم على المغول في معركة عين جالوت بقيادة قطز, وتوج المماليك حملاتهم العسكرية بالقضاء على إمارة عكا آخر معاقل للصليبيين في فلسطين في عام 1290 م, وتأتي لهم السيطرة على الشام والعراق وقاموا بنقل الخلفاء العباسيين إلى القاهرة, وتم إحياء الخلافة الإسلامية انطلاقًا من القاهرة؛ مما منح المماليك سلطة دينية وشرعية، لكن سرعان ما ظهر العثمانيون الأتراك في الأناضول, وتوسعوا واستطاعوا القضاء على المماليك في معركة مرج دابق, ثم استطاعوا الاستيلاء على القاهرة.

وفي تلك الأثناء تنازل آخر الخلفاء العباسيين عن الخلافة، وتم إسنادها إلى العثمانيين في إسطنبول, هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد ظهر الصفويون في فارس، واستطاعوا خلال سنوات قليلة السيطرة على كل بلاد فارس، بالإضافة إلى غرب خراسان والعراق وأجزاء كبيرة من الشام والأناضول، هذا بالموازاة مع نشر المذهب الشيعي في المنطقة, وهو ما كان يشكل خطرًا على العثمانيين الذين كانوا يدينون بالعقيدة السنية، وكان يهدف العثمانيون أيضًا إلى التحكم في طرق التجارة بين الشرق والغرب، مع التوسع في بلدان المشرق العربي, وهو ما أدى إلى اصطدام العثمانيين بالصفويين في معركة “جالديران” سنة 1514 م، والتي انتهت بانتصار العثمانيين والسيطرة على العاصمة الصفوية “تبريز”, لكن الصراع التركي الفارسي لم ينتهِ عند هذا الحد, فقد قام الشاه الصفوي بالتحالف مع البرتغال من أجل ضرب العثمانيين, مما مكن الصفويين من استجماع قوتهم لبعض الوقت, وتوالت المعارك الجانبية بين الطرفين، ولم تنتهِ إلا باستيلاء الأفغان على أصفهان، وسقوط الصفويين في إيران.

أما في التاريخ المعاصر فقد اتخذ الصراع الفارسي التركي شكلًا جديدًا، فقد كانت تركيا حليفًا للغرب, واختارت إيران التحالف مع الاتحاد السوفيتي, لكن هذا لم يمنع حدوث تقاطعات بين البلدين أدت إلى حدوث تحالفات إقليمية، خصوصًا في القضية الكردية التي كانت مشكلة عويصة للطرفين, وهذا التحالف هو الذي منع استقلال الإقليم الكردي في شمال العراق بعد سقوط صدام حسين؛ نظرًا لما يشكل من خطر على الطرفين, والذي قد يؤدي إلى اقتطاع أراضٍ واسعة من البلدين لرغبة الأكراد في تأسيس دولتهم القومية.

ورغم الدعم الغربي للأكراد، لكن نفوذ البلدين الكبير حال دون تأسيس الدولة القومية الكردية, ومع الدعم الإيراني للشيعة العرب وإيصالهم إلى السلطة في بغداد، وجد الأتراك أنفسهم في مأزق بعد دخول العراق في النفود الإيراني, وتكوين إيران لهلال شيعي يبدأ من لبنان غربًا مرورًا بسوريا, والعراق, وإيران، وحتى غرب أفغانستان شرقًا، ويحاذي هذا الهلال الحدود الجنوبية لتركيا بالكامل.

فبعد قيام الثورات العربية قامت تركيا بمساندة هذه الحركات الثورية في تونس وليبيا ومصر واليمن، وبمجرد قيام الثورة في سوريا، والتي قامت بدوافع اجتماعية واقتصادية من الأساس, فقد كانت تركيا أول المساندين، وكان الهدف منها أولًا كسر الهلال الشيعي بتغيير النظام السوري بنظام معادٍ لإيران، بالاعتماد على الكثافة السنية الكبيرة في سوريا، والتي تعاني التهميش من الأقلية الشيعية العلوية الموالية لإيران, لحسر نفوذ هذه الأخيرة في الشرق الأوسط، وثانيًا لتصدير تجربتها السياسية الرائدة للحزب الحاكم عن طريق الاعتماد على جماعة الإخوان المسلمين، والتي لها فروع في دول الشرق الأوسط، وتطورت إلى معارك بالوكالة في سوريا بجماعات موالية للطرفين التركي والإيراني.

أما في العراق واليمن فقد استطاعت إيران فرض نفودها بشكل شبه كامل عن طريق وكلائها في الدولتين, أما في شرق الجزيرة العربية (الكويت, شرق السعودية, البحرين) فقد استمالت إيران الشيعة القاطنين في هذه المناطق، والذين يشكلون أغلبية فيها, وأصبح النفوذ الإيراني كبيرًا في شرق الجزيرة العربية, بينما ركزت تركيا جهودها على كل من ليبيا ومصر وتونس عن طريق دعم الجماعات التي تتبنى الإسلام السياسي فيها, ولحد الساعة فما زال الصراع الفارسي التركي مستمرًا ولو بدرجة أخف من السابق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد