«كانت الساعة السابعة والربع صباحًا، عندما استيقظ ابني الصغير ذو السنوات الثماني ليغسل وجهه ويأكل وجبة الفطور ويجهز نفسه للذهاب إلى المدرسة؛ في الساعة الثامنة إلا عشر دقائق انتعل صغيري حذاءه، وحمل حقيبته على ظهره ذاهبًا إلى المدرسة، ولكن في اللحظة التي هم فيها بالخروج من المنزل، سمع صوت انفجار قوي كان نتيجة قصف الطائرات التركية على أرض قريبة تبعد عن منزلنا بضعة كيلومترات فقط. الانفجار كان كافيًا ليهز المنزل، ويجعل صغيري يهرع إلي ويحضنني وهو يبكي، ويردد: لا أريد الذهاب إلى المدرسة، أريد أن أبقى في البيت».

هذا ما قالته امرأة تسكن في إحدى القرى القريبة من قضاء (العمادية) التابعة لمدينة دهوك؛ والتي تقع على بعد 70 كم شمال دهوك تحت نفوذ الحكم الذاتي في إقليم كردستان.

ذاك الطفل لم يكن يحمل بنادق وأسلحة في حقيبة ظهره متجهًا إلى الجيش التركي، جل ما كان يحمله هو الكتب؛ كان متحمسًا ليقضي يومه في المدرسة مع معلميه وأصدقائه ليتعلم ويلعب، لم يكن إرهابيًّا يهدد أمن دولة تركيا.

منذ سنوات والطائرات التركية تقصف بشكل متقطع قرى في إقليم كردستان بحجة استهداف أهداف لحزب العمال الكردستاني. ولكنها كثفت غاراتها بشكل يكاد يكون يوميًّا على بعض المناطق في الاَونة الأخيرة.

أغلب ضحايا القصف يكونون من المدنيين الأبرياء الذين لا يربطهم أي علاقة بالحزب، مما قد يشكل خطرًا على حكومة تركيا.

لم تكتفِ الطائرات التركية بقصف المناطق وأحيانًا المدنيين فقط، بل امتد قصفها ليشمل الحرث والزرع وحتى الماشية لم تسلم من هذا القصف العنيف.

هذا المزارع المسكين الذي يكد ويتعب طوال السنة تحت أشعة الشمس، ينتظر بفارغ الصبر اليوم الذي سيحصد الزرع فيه؛ ولكن في النهاية جل ما يحصده هو الرماد. وفي المقابل، الوقت الذي تأخذه الطائرات التركية لتضيع تعب ذلك المزارع وجهده هو ثوانٍ فقط.

يعتمد دخل سكان القرى بشكل رئيس على ما يزرعونه ويحصدونه، ومن ثم تصديره إلى المدن؛ ولكن هذا العام كان مختلفًا فالضرر الذي لحق بالأراضي الزراعية نتيجة القصف كان كبيرًا والخسائر تقدر بالملايين بالدينار العراقي.

بعض المزارعين الذين يسكنون في المدن لم يتمكنوا من الوصول إلى مزارعهم وأراضيهم في القرى لكي يحصدوا الثمار نتيجة القصف العنيف.

في بعض المقابلات الصحفية والتلفزيونية، أعلن العديد من سكان القرى التي تتعرض لقصف الطائرات عن نيتهم للانتقال إلى المدن خوفًا على نفسية أطفالهم وحياتهم من فيلم الرعب الذي يشاهدونه ويسمعونه كل يوم؛ وبالفعل المئات منهم نزحوا إلى المدن.

نوافذ مكسورة ومحطمة على رؤوس أصحاب المنازل، وخوف ورعب في قلوب الساكنين فيها، وجثث لمواشي الرعاة ملقاة على الأرض، وحرق الأراضي الزراعية، وأضرار مادية ومعنوية كبيرة لاحقة بالممتلكات؛ جميع هذه المشاهد أصبحت تتكرر على شاشات التلفاز عندما يكون الأمر متعلقًا بالقصف التركي على القرى في الآونة الأخيرة.

ما الجرم الذي ارتكبه الأطفال لتسرق لحظات جميلة من أعمارهم، وتتأزم نفسيتهم، ويحرمون من عيش طفولتهم بشكل جيد من جراء هذا القصف غير المبرر الذي يستهدف أراضي قراهم؟

وما هو ذنب الأبرياء ليكونوا ضحية صراع أخفق الطرفان المعنيان في الوصول إلى حل للحد من هذه المعاناة التي طال عليها الأمد؟

ولماذا تقصف الأراضي الزراعية؟ أيعقل أن أحدًا من عناصر حزب العمال الكردستاني مشى عليها في يوم من الأيام ولهذا تقصف؟!  قليل من الإنصاف.

العنف لا يولد سوى المزيد من العنف والعداء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد