لا شك أن المسلسلات التركية التاريخية بدءًا من مسلسل قيامة أرطغرل وحتى مسلسل الأخوة بربروس قد حازت إعجاب مئات الملايين من المسلمين في شتى بقاع الأرض وأنا منهم؛ باعتبار أنها تأتي في زمنٍ:
– ذَلَّ فيه المسلمون فتحدثهم عن أيام عزتهم.
– وتخلف فيه المسلمون فتحدثهم عن أيام نهضتهم.
– واستُعبِدَ فيه المسلمون فتحدثهم عن أيام سيادتهم.
فتثير بذلك حميتهم وتوقِظ بذلك للدين حماستهم وتُمَثِّلُ بما تقدم من نماذج في حب الدين، والشجاعة، والبطولة، واليقظة مَعلَمًا هامًّا من معالم الطريق إلى النهضة وشعاعًا براقًا يؤكد على أن هناك نورًا في نهاية النفق الذي تحترق فيه الأمة منذ عشرات السنين!
لكنْ مع كل تلك الإيجابيات التي أتت بها تلك المسلسلات، إلا أنني كمشاهد محب ومتابع لتلك المسلسلات لا أستطيع أن أفهم سر الإصرار العجيب على تضمينها مشاهدَ وكلماتٍ تضر أكثر بكثير مما قد تنفع، وإنْ كنتُ لا أرى لها نفعًا أصلًا!
والمآخذ الأساسية، لي ولغيري، على تلك المسلسلات تتمثل في أمرين أساسيين:
الأول يتعلق بالتوجه المذهبي فيها
فنحن جميعًا نعلم أن تركيا دولة سنية، فما هو سر الحديث الدائم عن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكأنه لم يكن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة غيره!
حتى عند الحديث عن غزوة خيبر التي قادها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه لا يُذكَر إلا علي رضي الله عنه، وكأنه فتح خيبر وحده!
صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه الراية يوم فتح خيبر، لكن ذلك لا يعني أبدًا أن ننسب الفتح كله إليه!
هذا مجرد مثال فقط من عشرات الأمثلة التي تمجد في علي رضي الله عنه دون غيره من الصحابة الكرام!
تجدهم كذلك في بعض المشاهد يطلبون المدد من علي رضي الله عنه، ويضع الممثل خلفه صورة قد كُتِبَ فيها: يا عليّ! وهذا لا شك فعلٌ شِرْكي، وهو من أفعال الشيعة!
فهل يغازل القائمون على المسلسل الشيعة؟
وما الفائدة من مغازلتهم، ومعظم العالم الإسلامي من السنة، وأنتم أصلًا أيها الأتراك سُنة؟
هذا بالإضافة إلى الحديث عن الخضر الذي لا يخلو بطلٌ من صحبته، يؤيده ويسدده، وكأن النصر لا يأتي إلا بصحبة الخضر!
شيء فعلًا محير وعجيب!
المأخذ الثاني على تلك المسلسلات هو إصرارها كذلك على التفاخر بالقومية التركية؛ فكثيرًا ما تسمع على ألسنة أبطالها:
نحن الأتراك لا نُهزَم.. نحن الأتراك لا نيأس.. التركي لا يذل لأحد.. الأتراك.. التركي.. الأتراك.. الأتراك!
شيء غريب جدًا.. المفروض أنك تخاطب المسلمين جميعًا، وليس الأتراك فقط؛ فماذا تستفيد من تمجيدك في الأتراك فقط دون أعراق المسلمين الأخرى؟

ولعل الدراما العربية التاريخية رغم البيئة الفاسدة التي تحيط بها، ورغم أنها لم يتوفر لها من الدعم السياسي والمادي ما يتوفر للمسلسلات التركية، فإنها كانت أكثر وعيًا، ولم تقع أبدًا في هذا الخطأ القاتل؛ فلم نجد الأبطال في مسلسل عمر، أو صقر قريش، أو ربيع قرطبة، في كل حلقة يتغنون بالعرق العربي، ويتحدثون عن قدرات العرب، وأمجادهم، رغم وجود قادة عرب لم يُخرج التاريخ مثلهم، كعمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وغيرهما كثير، ويكفي العرب فخرًا أن منهم رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.

لكننا وجدنا الأبطال في الدراما العربية دائمًا يتحدثون بلسان المسلم الوفي لدينه وفقط، المدرك جيدًا أنه لولا الإسلام ما ساد العرب، ولا الأتراك ولا غيرهم، فالأمر هو كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

«لقد كنا أذل أمة فأعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله».

أنا أفهم أن الغرض من كل هذه المسلسلات هو بث روح الجماعة والوحدة والأمة وحب الدين في نفوس المسلمين، وهذا ما نجحت فيه هذه المسلسلات إلى حد بعيد.. لكنْ أليست هذه دعوة للتفرقة بينما المقصود أن توحد الأمة؟ ألستَ بذلك تدعو إلى العصبية الجاهلية المقيتة التي نهى عنها الإسلام!
حين تشاجر أحد المهاجرين مع أحد الأنصار نادى المهاجري على المهاجرين فقال: ياللمهاجرين!
ونادى الأنصاري على الأنصار فقال: ياللأنصار! فكاد المهاجرون والأنصار يقتتلون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
ما بال دعوى الجاهلية! دعوها فإنها منتنة!
فليس هناك تركي، ولا عربي، ولا كردي، ولا أعجمي.. فكلنا مسلمون وكفى.. ولم يستطع أعداؤنا أن ينالوا منا إلا حين جعلوا ولاءنا للقوميات والعرقيات لا للإسلام.
نحن سُدنا حين كان ولاؤنا للإسلام وفقط.
لقد آزر المسلمون الخلافة العثمانية حين قامت ولمدة ستة قرون، ليس لأجل عثمان التركي، بل لأجل عثمان المسلم الصالح العادل المحب لدينه.
فمتى يعي القائمون على هذه المسلسلات أنهم يخاطبون الأغلبية السنية الكاسحة، والذين يعد الأتراك جزءًا منهم؟
ومتى يعون أن عليهم أن يقدموا لنا أبطالًا تتحدث باسم المسلمين جميعًا، ليس باسم الأتراك وحدهم؛ فإنَّ ذلك أَدْعَى لاجتماع المسلمين إنْ كانوا حقًا يريدون اجتماعهم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد