عند تتبع قصص الأنبياء منذ آدم، عليه السلام، وحتى إبراهيم، عليه السلام، فإننا نجد أن الرسالات السماوية كانت تعالج إخفاقات وأخطاء يقوم بها قوم دون غيرهم، ومن أجل تقويم هذه الأفعال فإن الله يرسل إليهم أنبياء منهم يوجهونهم وينصحونهم ويحذرونهم من مغبة أفعالهم، فرسالتهم محددة ومنهاجهم التشريعي محدد أيضًا، فلم تكن التشريعات واسعة ولا تدخل في جميع مناحي الحياة، بل تركز على نقطة معينة كأن تكون عبادة الله وحده، أو تجنب الغش وضرورة إيفاء الكيل والميزان، أو عدم ممارسة الشذوذ الجنسي.

في زمن نبوة إبراهيم، عليه السلام، كانت البشرية قد تحولت إلى أكبر من مجموعة أمم وعشائر وقبائل تجمعها عادات وأعراف وتقاليد، فقد ظهرت دول وإمبراطوريات وأصبحت لها قوانينها الخاصة بها، وهذه الإمبراطوريات بدأت تؤثر بقوانينها في الناس، فلم يعد بمقدور الأنبياء مواجهة هذه القوانين الشاملة بقوانين فردية، بل أصبحت الحاجة إلى وجود تشريعات أعم ويحملها أنبياء يتحولون فيما بعد إلى رسل، ولكن هناك حاجة إلى إيجاد المقدمات قبل بعث الرسل.

نواة التحول

إبراهيم، عليه السلام، كان نواة انطلاق هذه التشريعات، فهو من أسس لقواعدها وهيأ لها الأرضية المناسبة، وهو النبي الوحيد الذي أُخرج من أرضه دون أن ينال العذاب أهل تلك الدولة، على عكس لوط، عليه السلام، والسبب يكمن في أن مخالفة قوم لوط لم تكن على مستوى قانون الدولة، ولكنها كانت عرفًا اجتماعيًّا يخصهم دون غيرهم، ولهذا عوقبوا على أفعالهم، أما إبراهيم، عليه السلام، فقد كان خروجه بناءً على قوانين الدولة والتي يطبقها الآخرون لا عن قناعة بل عن خوف وطاعة لتسيير أمورهم المعيشية دون حصول مشكلات تتبعها غرامات وعقوبات.

وبعد ذلك كانت حكمة الله قد أوصلت يوسف عليه السلام إلى مصر، ومن بعد ذلك تقلده لمنصب عزيز مصر، حيث كان يطبق الشريعة دون تشريع واضح، ولكنه كان أول نبي يصل إلى رتبة عليا في إدارة دولة كبيرة مثل مصر، ليصبح النموذج الأول في الأنبياء الذين وصلوا إلى مصدر القوانين في الدولة، بعده كان موسى، عليه السلام، قد ترعرع في بيت الفرعون خلال معاناة بني إسرائيل من بطش الدولة، ونشوئه في بيت الفرعون جعله يصبح فردًا منهم، وهو يعرف كل تفاصيل قوانينهم وما يدور في الغرف المغلقة، وهذا جعله على قدر المسؤولية في تحمل أعباء تخليص قومه من فرعون وظلمه وطغيانه، ومن بعد ذلك كانت رسالته تتضمن تقويم قومه ليتخلصوا من آثار القوانين المفروضة عليهم خلال نشأتهم في مصر.

بعد جهدٍ كبير وصل موسى، عليه السلام، إلى مرحلة الانطلاق بمشروع الدولة من خلال استقباله للتشريعات السماوية مكتوبة وموثقة، لتكون أول سندٍ قانوني للدولة الإسلامية، نعم للدولة الإسلامية؛ لأن في الأساس دين الله هو الإسلام، ولكن الشرائع كانت تختلف، فشريعة موسى، عليه السلام، تختلف في جزئياتها عن شريعة عيسى، عليه السلام، وتختلف عن شريعة النبي الأكرم، صلى الله عليه واله وسلم، ولكنها تتحد على كلمة سواء، وهي التوحيد بشكل أساسي، وإيجاد نموذج الإنسان السوي.

مرحلة بناء الدولة

بعد معاناة المؤمنين في حياتهم وما لقوه من ظلم وقتل وتشريد، بسبب رفضهم لعبادة الأوثان والشرك واتباع غير الله تعالى، كان لا بد لهم أن يخرجوا من هذه الأجواء العدوانية ليهاجروا إلى أرضٍ جديدة يعيشون فيها بقوانينهم الخاصة، والتي شرعها لهم الله عز وجل، ولكن هذه الهجرة أيضًا لم تكن سهلة، وتجمعهم في نظامهم الخاص كان عرضة لهجمات المعارضين لهم والرافضين لدين التوحيد، لهذا كانت الحلول في الفترة السابقة هي نزول العقاب من الله مباشرة، ولكن هنا كان العلاج هو دفاع الناس عن أنفسهم ودينهم وعقيدتهم ودولتهم، لهذا كتب الله على المؤمنين القتال، ليس فقط للدفاع عن أنفسهم، بل من أجل تأمين مواردهم وسبل عيشهم، لتحقيق قيام دولة مستقلة بشعبها وقوانينها ونظامها التشريعي، لها مواردها الاقتصادية والتي تمنحها السيادة ورغد العيش، ولها أيضًا جيشها المعد لرد أي غزو أو محاولة المساس بموارد تلك الدولة أو التأثير فيها.

الخطوة الأولى بدأت عند تسلم يوسف، عليه السلام، زمام عزيز مصر، وصولاً إلى هجرة موسى عليه السلام وإقامة دولة التوحيد، ليصبح طالوت ملكًا على هذه الدولة، ويخوض معركته ضد جالوت والذي يمثل دولة الظلم والطغيان، وبسواعد داوود، عليه السلام، استطاعت الدولة الوقوف على أساسٍ متين، تلاه سليمان عليه السلام ليمثل دولة التوحيد وتطبيق الشريعة بأبهى صورها.

عندما تتحول المجموعة إلى أمة تحت عنوان الدولة فإن التشريعات لا بد أن تكون عامة وشاملة ولا تقتصر على العبادات فقط، ولا على المعاملات بشكلها البسيط، بل لا بد لها من التوسع بشكل يوضح للناس كيفية إدارة أنفسهم في هيكلية الدولة، وهذه التشريعات ستعطيهم مجالًا لوضع الحدود والعقوبات والغرامات لمن يخالف تلك القوانين، في المقابل ستعطي للفقراء والمستضعفين حقوقًا تؤخذ من أموال الأغنياء، وترسم حدود التعامل مع الدول الأخرى والتي تخالف تشريعاتهم تشريعات السماء، وتحدد الخطوط الحمراء والزرقاء والخضراء، والتي ستبين خطورة الأفعال عند تصنيفها وفقًا لهذه الخطوط.

كانت رسالة النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، هي النموذج النهائي لتشريعات الله تعالى، حيث شملت جميع مناحي الحياة، فعلاقة العبد بربه كانت قد رسمت مساراتها بصورة واضحة وقد حددت الواجبات والمستحبات والمكروهات والمحرمات في طريقة تعبد الشخص وتواصله مع الله تعالى، وبالآلية نفسها عالجت علاقة الفرد بالآخرين، مع والديه ومع جاره وابنه وزوجته ومع الغرباء والأصدقاء، ورسمت أيضًا حدود التعاملات التجارية في البيع والشراء والدين والاقتراض، بل حتى إنها رسمت منهجًا للناس في نظافتهم الشخصية، وآداب الجلوس والطعام والصحبة في السفر وغيرها، شريعة كاملة لها دستور ثابت وهي العقيدة الأساسية التي من دونها يخرج العبد من الإسلام، وقوانين متنوعة قابلة للنقاش والاستنباط، قبلت في طياتها بعض ما كان يعُمل به في الجاهلية وفي الشرائع السابقة، ورفضت في الوقت ذاته ما هو فاسد منها.

خلال السنوات العشرة الأخيرة من حياة النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، تحول الإسلام من مجموعة من المستضعفين الذين سُلبت منهم أموالهم وطُردوا من ديارهم وحُوربوا وقُتِّلوا في سبيل الله تعالى واتباعًا لأمر رسوله، ليصبحوا أمة تجمعهم راية التوحيد في دولة كريمة، أعزتهم وقوت شوكتهم، وأخرجتهم من الضياع والانهزام إلى خط المواجهة والتقدم نحو دفع المخاطر والشرور عنهم وعن دولتهم وعن عقيدتهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد