هكذا تقلب الأوبئة جميع المقاييس والموازين كوفيد-19 ليس إلا أداة ناطقة ترفض بها الأرض بطش الرأسمالية، وهمجية العقل البشري الرامي إلى استنزافها. إن الراصد لحركة التاريخ وتغيرات الطبيعة يجد سلالة غريبة متواصلة في زمن، ومتجاوزة للمكان الواحد، تثبت حضورها في كل مرة من جديد

شهدت المنطقة العربية في القرون القديمة والوسطى عدة أمراض غريبة كان أشهرها طاعون عمواس في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، ببلدة تسمى «عمواس» كنية للطريقة المتخذة في علاجه، عرف هذا الوباء بخطورته في تلك الحقبه، حيث سرعان ما انتقل إلى الشام ليحصد 30 ألف ضحية من أهاليها، والذي كان من بينهم عدد كبير من الصحابة، فاتخذ عمر، رضي الله عنه، عندها قرارًا يقضي بعدم دخول المدينة أو الخروج منها، الأمر الذي عده البعض الحل الأمثل لمحاصرة انتشاره، وهو الأسلوب نفسه التي اعتمدته الصين في ظل تطور الإمكانيات.

لم تقتصر هذه الفيروسات أثناء القرون الماضيه على وحدة المكان والزمان، بل إنها تميزت بلامحدودية ليعزز هذا الصنف وجوده في القرن الرابع عشر، سنة1331، بإطلاقه نوعًا مختلفًا في عالم الوبائيات يسمى الموت الأسود، والذي برز هذه المرة في بلاد الصين ليكمل مسيرته المدمرة نحو الهند وآسيا الوسطى، وصولًا إلى شمال أفريقيا، وحسب بعض مصادر، بلغ عدد وفياته ما بين 75 مليونًا إلى 200 مليون، أرقام مرعبة خلفها هذا الدخيل، بالإضافة إلى تغيرات اقتصادية وسياسية، وكأنه يعيد نفسه اليوم، ولكن باسم حديث، «كورونا»، محافظ على أصله الصيني ليجول ويصول في رحلة فتك البشرية، فلم يبرح هذا المجهري حتى إلى أن اجتاح أوروبا لتتصدر قائمة الوفيات بثلاثة أرباع مواطنيها حسب التقارير العالمية، ناهيك عن الولايات المتحدة الأمريكية، دون أن ننسى القارة الأفريقية والعالم العربي الذي يعيش حالة من البؤس والانقسام السياسي، وضعف قطاعه الصحي.

رغم مساوئ هذه الأجسام الغريبة فإنها تكشف المخفية عمدًا، الكل اليوم شاهد على وحشية الرأسمالية العمياء الهادفة إلى البراغماتية والمنفعة، المدهش في الأمر جشعها غير الطبيعي في خضم هذه الأزمات الضيقة لتبيع لنا شيئًا دون أن تستأنس بالحكمة والمنطق. شركات تتصارع في صورة الغاب المقصية للأخلاق؛ فالجميع يعوق الآخر قصد المصلحة. ليبقى جنس آدم وحواء حائرًا أمام هذه الأتيقية الفاقدة للمعنى والقيم، لتتأكد غاية هذا النظام الخبيث في قول ماركس«الرأسمالية ستجعل كل الأشياء سلعًا، الدين، الفن، الأدب، وستسلبها قداستها».

من المضحكات المبكيات انفكاك لغز العولمة الآن، التي ادعت رقيها وأسمى درجات تحضرها، نراها اليوم في غياب تام تقتلع ثوب التقدم وخداعه تدريجيًّا، لقد أصبح العالم في حضرتها عبارة عن دويلات مقسومة إلى أشلاء لا قرية صغيرة تجمعها قيم كونية مشتركة، وخير دليل صورة الاتحاد الأوروبي نموذجًا، فكل دولة تقوقعت حول ذاتها من هول الفاجعة، يبدو أن هذه المرة أتيحت الفرصة للشعوب لتعانق الحقيقة فلا العولمة والكائنات التي اتسمت بشتى فصائل الغرور والعظمة استطاعوا الخلاص بالبشرية كلهم خيم عليه الصمت، وشلت فيه الحركة تجاه شيء غير ملموس.

من سيطرة العولمة وحكم المال، إلى التحويرات التي فرضتها الجائحة والمتسببة في عزلتنا التامة عن سباق الحياة، التغير اليومي، فأصبحت المنازل فيه مقرَّ عمل وملاذًا من جرثومة صغيرة، ليس هذا فحسب إنما سلطة هذا النهار صارت ملك الأطباء، وتجاوز الأزمة رهينة وعي المواطن، البعض فقد نفسه والآخر وجدها، وعزز شيئًا لم يعهده في حضرة الكورونا.

وفي الختام نحن بحاجة إلى مثل هذه الهزات لتحرك فينا
شيئًا لا أدري ماذا، لكن لعلها تذكر الذين قست قلوبهم، ولتنشئ فينا إنسانية تسعى إلى مشترك يجمعنا، وتنبذ كل الشرور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تحول, نقطة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد