في عام 1938 وفي أثناء عرض حفل موسيقي على شبكة cbs الإذاعية، قطع البث صوتُ المذيع الأمريكي “أورسون ويلز” ليخبر الجمهور بخبر عاجل..

 

الفضائيون يغزون الأرض؛ مركبة فضائية قادمة من المريخ، تعلن انتهاء عهد البشر، تهبط إلى الأرض ويراها الجميع. أصوات الصراخ والفوضى وشهود العيان يروون الحادث.

 

الآن بات الأمر جديًا لدرجة لا تحتمل التشكيك، بل مخيفًا بدرجة لا تسمح بالتشكيك؛ الآلاف في الشوارع يغادرون منازلهم، والطرقات تشهد حالة من الرعب والفوضى.

 

الأمر الذي كان يبدو مضحكًا “لأورسون ويلز” عندما قرر أن يمازح به الجمهور، أصبح كابوسًا. وسائل الإعلام تنفي الخبر وتؤكد على أن الأمر لا يزيد عن مزحة، ولكن هيهات!

 

الحل إذاً أن يخرج “أورسون ويلز”، صانع القصة، ليعلن نهايتها. ولأن التكذيب لم يُجدِ نفعًا، فلتستمر المزحة في صوتها الجدية إلى النهاية، “أورسون ويلز” يخبر الجمهور أن الفضائيين ينهزمون، بكتيريا الأرض الضعيفة أقوى من قدرة مناعتهم على التحمل، فبمجرد تعرضهم للهواء، ذاب الفضائيون! الآن اطمئن الجمهور.. والآن فقط!

***
في بحثك عن نجاح برنامجك التليفزيوني عليك أن تفعل أي شيء يضمن لك التميز، الانفراد، ونسبة المشاهدة العالية، يضمن لك أموال الإعلانات، ليرضى عنك صاحب القناة، لتستمر. عليك كذلك أن تدرك أن فهمك للجمهور هو أولى خطوات النجاح، لا تراهن عليه، فقط ادرسه جيدًا، أما إن كنت تهدف إلى “حزب الكنبة” المصري، أخبرك بثقة، راهن، راهن كثيرًا، فهو دائمًا يقف في صف من يراهن عليه، أو يراهن به! هؤلاء القابعون أمام الشاشات يشاهدون العالم، يلتقطون المعلومات والأفكار والآراء والقناعات من أفواه المذيعين، لا تضع الفرصة. الأمر بسيط للغاية لو كنت تدرك.

1- ابحث عن موضوعٍ شائكٍ مُحببٍ إليهم
دعك من تلك الموضوعات التي ملّ الجميع من الحديث عنها، لقد تحدثوا فيها كثيرًا وقال الجميع كل ما لديه، ابحث عن ذلك الموضوع الذي ما إن يثار أمام مجموعة لا يلبث الجميع أن يتحدث، تلك الموضوعات المحفزة والمثيرة “للفتي”، الموضوعات التي يرى من يستمع إليها أهمية الرد دفاعًا عن نفسه وعن قيمه ورجولته ودينه، ما رأيك في الحديث عن المرأة؟ الكل يرى في نفسه القدرة على تحليل المرأة وفهم مكنوناتها. ما رأيك في مناقشة الإلحاد؟ محفز، أليس كذلك؟!

 

2- اختر ضيوفك جيدًا
ابحث عن الضيوف الفاشلين، إياك والشخصيات القادرة على الإقناع، هؤلاء سوف يحققون إشباعًا للجمهور فيطمئنون إلى أن هناك من يقول كل الكلمات العظيمة التي تدور في أذهانهم. اختر شابًا مجهولاً، قدمه على إنه ملحد، دعه يتحدث عن أفكاره التي لا يعي منها الكثير، فقط هو يقول كلمات مستفزة وهجومية بين وقت وآخر، دعه يستفز المشاهدين، ويستفزك. اختر على الجانب الآخر رجلَ دين غاضبًا، وفاشلًا، باختصار لا يقول شيئًا جيدًا.

 

3- تقمص دور المحاور الناجح
لأنك محاورٌ ناجحٌ يجب أن تبقى هادئًا، ولأنك مؤمن ولأنك غيور على دينك وقناعاتك، تريد الرد، تريد أن تكيل اللكمات لضيفك، ولكن لأنك ناجحٌ فأنت عاجز. أنت فقط تبحث عمن ينجدك، يتحدث بلسانك، لسانك الذي يهاجم كل فترة ثم يتذكر أنك محاور ناجح فيصمت.

 

4- إياك والمتخصصين أو العقلاء
الآن باتت الأمور جيدة، المشاهدون أمام الشاشات يلعنون ضيفك الملحد، ورجل الدين “الخايب”. الآن هم في قمة الغضب والتوحش، لا تدع لهم الفرصة ليهدؤوا. لا حديث عن منطق أو احتواء، لا داعي للبحث عن أسباب الإلحاد، أو الحديث عن الحرية، لا تجعلهم يهدؤون. تذكر أنك تحتاج مثل هذه الحلقات كل فترة لتذكر أموال الإعلانات بك، لا تترك الفرصة تذهب.

 

5- افتح التليفونات
الآن تنحَّ جانبًا واترك الفرصة للمشاهدين، دعهم يخرجون كل الغضب والحقد الذي بداخلهم، اترك الفرصة لهؤلاء الذين يدعون الحكمة على شاشات التلفاز ليتحدثوا بالمنطق والعقل، وهؤلاء الناقمون على أي فكر شاذ دعهم ينتقمون بطريقتهم الخاصة. استمع إلى المداخلات التليفونية. وتذكر لأنك محاور ناجح يجب أن تحذر المتصلين من الألفاظ الخارجة، وفقط. استمع أكثر. أوشكت على النهاية.

 

6- اختم برنامجك
لقد نجحت في جذب الجمهور، وحققت له إشباعًا كبيرًا، الكل يتحدث عن الحلقة، وهؤلاء الغاضبون أرضتهم المداخلات التليفونية وهم يبتسمون لأن الشاب الملحد “اتمسح بيه الأرض”. الآن أنت محاور جيد للغاية، أخبر الجمهور بذلك. أخبرهم عن حرصك على كشف كل المشكلات التي تؤرق المجتمع. ولأنك صادق فأنت لا تهتم سوى بإظهار الحقيقة، ولأنك تحترم الجمهور فيهمك أن يعرفوا كل شيء. حدثهم أن كل ما تفعله، فأنت تفعله فقط من أجلهم.

ودِّعهم بابتسامتك المعتادة مع وعد بحلقة جديدة مثيرة للجدل.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد