لا أحد يستطيع أن ينفي دور التلفاز أو كما هو شائع بمسمى التليفزيون في نقل الأحداث حول العالم وتلاقي الثقافات في بوتقة من الاتصال الحِسي جعلت العالم بلا قيود، واجتزأته إلى قرية بالغة الصغر، ولعل العالِم الإسكتلندي والمهندس الكهربائي جون لوجي بيرد لم يكن يخطر في ذهنه هذه الثورة الهائلة التي أحدثها اختراعه في القرن العشرين ومدى تأثيرها على البشرية، فلا ينفك أن يحدث شيء في أي بلد في العالم إلا وتجد نفسك من ضمن هؤلاء المحظوظين الذين يعرفونه؛ لتتبخر تلك المقولة المصرية قديمًا “يا خبر بفلوس بكرة يبقى ببلاش” لأن الأخبار وغيرها من وسائل الترفيه أصبحت جميعها مجانية بلا شك، ولكنني لا أعطيها كنية “مجانية” بهذه البساطة، لأنك لست مجرد متفرج يشاهد ويحكم, لا بل أنت الذي تدفع فواتير هذه القنوات، أنت من تحدد ماذا تشاهد الآن أو غدًا أو العام القادم, أنت من تضع خطة وإستراتيجية هذه القنوات والمادة التي تقدمها لك، وإذا لم تنصع هذه القنوات لرغباتك، فلديك هذا السلاح الخطير في يدك وهو الريموت، الذي يجعلك من تملك السلطة على ما تشاهد، وتفرض سيطرتك على ما تقدمه لك هذه القنوات، ولكن يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة، ماذا لو كان هذا المشاهد جاهلًا أو غير مُدرك لبواطن الأمور؟ ماذا لو كان هذا المشاهد لا يستطيع أن يُميز بين الصالح والطالح؟ حينها يحدث العكس تمامًا، ويصبح التلفاز هو الذي يحمل كل وسائل التحكم في المشاهد، هو الذي يصنع له أحلامًا وخيالات ويسُوقها إليه، ويستخدمه لتفيذ خطته، بل ويُملي عليه ما يفعل, مُسربًا إليه اعتقادًا بأن ذلك الشيء في مصلحته.

يستطيع أن يجعل منه مجرمًا أو يجعل منه خيِّرا، إنسانًا أو شيطانًا، حكيمًا أو غبيًا, متفائلًا أو متشائمًا… إلخ، يستطيع أن يبني له صرحًا مهيبًا من خواء، ويُثبت له دليل وجوده وإمكانية امتلاكه بضغطة زر واحدة فقط لن تكلفه إلا بضع جنيهات، فلا يترك له منفذًا للتفكير لضخامة المعروض، فكلما كان المعروض في ازدياد كان التفكير دربًا من دروب الخيال.

وقد استطاعت الدول المحتلة على مدار الزمن بذكاء اكتساب تلك النقطة في صالحهم, والعمل عليها بكل ما أوتيت من جهد، حيث إنه دائمًا ما كانت فكرة انتشار الأكاذيب المباشرة أو غير المباشرة وترويج الأساطير التي يُراد بها هدفًا ما سواءً سياسيًا أو غير ذلك متعلقًا بوسائل الإعلام، المسموعة أو المقروءة وحديثًا المرئية، لتصبح بجانب ذلك ورقة ضغط هذا المُستعمر على الشعوب المحتلة، ووسيلة إرهاب وتدمير معنوي عن طريق بث صور غير حقيقية عن مدى قوة هذا الجيش ومدى فتكه بأعدائه، لترفع هذه الشعوب الراية البيضاء قبل حتى أن ترفع عصا تدافع بها عن نفسها.

تطور التلفاز أكثر وأكثر ليصبح وسيلة من أهم الوسائل التي ترعى أنواعًا شتى من التضليل وتشويه الحقائق للأنظمة المستبدة، وقاعدة أساسية يُبنى عليها أهداف النظام بما فيه من مساوئ وعِلل, وتضخيم وتهويل لمجهوداته المتواضعة أو حتى المعدومة, وأيضًا عاملًا مسكنًا للشعوب، فتعكف على عقد المقارنات والتقارير والأبحاث التي تحتمل شيئًا من الحقيقة لإقناع المواطن كم هو بخير، وأنه لا يزال كذلك طالما هو تحت عباءة النظام، ولا يحق له النقد؛ لأنه بذلك يعرقل النظام ويمنعه من مسيرته الصحيحة.

لطالما كان الإعلام -والتلفاز بشكل خاص- يحمل دورًا مساعدًا للكثير من الأنظمة, يُمهد له طريقًا خاليًا من البشر, يُقوي مساعيه ويوطد علاقته بالشعب عن طريق إقناع هذا الثاني بما يريد من الأكاذيب، ويمضي على جعلها حقيقة، حتى تلبث كذلك في أذهانهم من كثرة تكرارها في غضون وقت ضئيل، ويساعدهم في ذلك الاستعداد الأمثل لعقولهم لتلقي هذه الأكاذيب، فتسير على الطريق المُمهد مُسبقًا كمثيلاتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد